ما هو الدعاء الذي تحفظه من أمك أو أبيك لكثرة ما تسمعه منهما؟سألت هذا السؤال لـ257 شخصاً في أقاليم ومناطق وأوطان مختلفة، بعضهم يسكن الوديان وبعضهم السهول وبعضهم يسكن الصمت، وثلاثة عشر رجلاً وامرأة يسكنون بجانب المقابر.وخرجت بثلاث ملاحظات مهمة، قد تبدو أنها بديهية وعادية ولكن يجب أن نعرف أيضاً أن أكثر الأشياء بديهية في حياتنا هي أكثر الأشياء التي نحتاج أن نقف عندها... ومنها الدعاء ذاته.أجاب البعض بأنهم لا يذكرون شيئاً من دعاء أمهاتهم لهم، وأجاب آخرون بأن دعاء آبائهم وأمهاتهم لهم يختلف حسب الحال والسياق، أما البعض فقال: تدعو أمي لي دائماً: الله يملي بيتك بالحنطة وزيت الزيتون، ويرفع لك سقف تحته زوجة أمينة وتسع أولاد وبنت واحدة تغنيك عنهم... ثم تنفجر ضِحْكاً.دعاء أمي الدائم هو: الله يدفعها دام إنها تندفع.أجاب آخر قائلاً إن دعاء أمي هو: أسال الله أن يفتح عليك فتوح العارفين.تقول شابة بأن أمي دائما تدعو: الله يسخر لك الأرض ومن عليها، ويحفظك من شياطين الإنس والجن.تقول لي أمي: الله يحبب فيك جميع خلقه حتى الحصى بأرضه، تدعو أمي لي: الله يبعد عنك قروض البنك والأقساط الشهرية. كلما خرجت من البيت تقول لي أمي: في فمك السكر وفي يدك الجوهر... يارب، أم أخرى تدعو لابنها: ربي يباركلك في سعيك ويسخرلك عباده، ويرزقك من واسع فضله.دعاء أمي لي هو: الله يوقعك في اللي أحسن منك. أم أخرى تدعو قائلة لابنتها: الله يعلي راتبك ومراتبك.تدعو لي أمي وتقول:عساها لك وسيعه أما أبي فيقول:عسى لك صديق في كل طريق، أما جدتي فدائماً تقول: ربي ارزقني وارزق مني.كانت هذه عزيزي القارئ بعض المقتطفات من الأدعية التي في ذاكرة الأبناء من أمهاتهم، وإن قليل من التأمل لابد أن يأخذنا إلى ثلاث ملاحظات مهمة.الملاحظة الأولى أن هناك أمهات وآباء صامتين لا يُسمِعون أبناءهم دعاءهم لهم، غير قادرين على إعطاء أبنائهم دعاء واحدا يذكرونه ويورثونه لمن بعدهم، صحيح أن الصمت بالنسبة للآباء هو ضجيج من الكلمات أو ربما الدعاء، ولكنه صمت يحرم تعزيز الروابط بين الأجيال وتلوين كل فجوة بينهم.الملاحظة الثانية هي أن للدعاء وظيفتين الأولى دينية علمها عند الله وتشكل عبادة في حد ذاتها، ومن الممكن أن تستجاب أو يدفع بها بلاء أو تأجل للدار الآخرة، أما وظيفة الدعاء الثانية فهي اجتماعية لأن الدعاء هو تعبير عما هو اجتماعي وتفاعلي مع وبين الناس، وتعبير عن حب واهتمام تم تكثيفه في شكل دعاء، الدعاء فعل فردي يتم إطلاقه في سياق اجتماعي ليتفاعل معه الأبناء بالسماع والتأويل، أما التحقيق فعند الله.الملاحظة الثالثة مرتبطة بالملاحظة الأولى والثانية حيث إن الدعاء هو ما يمنح الحياة التجديد والتطور والاستمرارية حتى بعد الموت، فحينما لا يعود الأفراد قادرين على الدعاء بلسان مسموع ويتداولونه بينهم، فإن مصير هذا الدعاء هو الموت أو أن يظل حبيس القلوب.أيتها الأم الشابة، أيها الأب الشاب، ادعو لأبنائكم وأسمعوهم دعاءكم، ليس لأن الدعاء هو علاقة توحيد بين العبد والرب فقط، ولكن أيضاً لأن الأبناء في حاجة إلى أن يسمعوا شيئاً ما يتجاوز واقعهم ويعبر عن تجاربكم وآمالكم وما تأملوا لهم في الحاضر والمستقبل.سنستثني من هذا المقال بعض الأمهات والآباء البلهاء بما فيه الكفاية، لكي يعتقدوا أن كل ما يحتاجه الأبناء هو ملابس الشتاء وسفرة ممتعة إلى دبي وديزني لاند، وتفاصيل تتعلق بنوع الغذاء المعطى لهم، لأن اهتمامات من هذا النوع تمارس حتى مع الأبقار في الدنمارك.

@moh1alatwan