يا بني... أغلق هاتفك ولا تسمح لنفسك أن ترى العالم من خلف شاشة... فالعالم أكبر من «سناب شات»! نحن الذين ولدنا قبل اكتشاف الإنترنت وقبل القفزة الجماعية نحو عالم افتراضي ومحركات بحث وكمية «داتا»، لم نعد قادرين على مسحها من هواتفنا، نشعر أننا بدأنا نعيش في مساحة أصبحت تضيق علينا وتتحرك من جهاتها الأربع لتخنق جيل الأطفال، الذين كبروا حتى نسوا الطفل الذي كانوه يوماً ما، وهو ينظر إلى الأشياء والأحداث بشغف «أبو الحروف» وبساطته، وانسيابية «وادي الأمان» ورقته، والقيم والمعاني الجميلة في «الوميض الأزرق» بشخصياته ورحلته ونهايته الحالمة، ودراما «سالي» الأميرة الصغيرة وقصة جودي أبوت و«صاحب الظل الطويل»، الذي أعطى بلا مقابل أو توقع.لقد عشنا الطفولة بتفاصيلها... بعيداً عن الشواحن الكهربائية، وبنينا قصوراً كثيرة على الشواطئ، ووضعنا أعلاماً ورايات تحدق في الموج.وها أنت يا بني بدأت تكبر، فلم تعد طفلاً صغيراً، ولكنك أيضاً لم تصبح بعد طفلاً كبيراً.وفي زمن يتخلى عن واقعيته وطبيعيته ليتجه إلى الذكاء الرقمي والعالم الافتراضي وهواتف فيها أكثر من ثلاث كاميرات، تطلب مني دائماً أن أحضرها لك في عيد ميلادك المقبل، تذكر ما أقوله لك!يا بني...إن استيقظت من نومك ورأيت زوجين من الحمام للمرة الأولى يتعانقان أمام نافذتك، فلا ترفع هاتفك وعدستك لكي تنقل اللحظة إلى غير بعدها، بل ابنِ لهما بيتاً من قطعتين، قطعة من الغيم وأخرى من روحك وأنفاسك، فالبيت نصيب المجاز.وإن خرجت من بيتك في الصباح ورأيت الشمس قد أشرقت، فلا تقل هي عادتها مثل كل يوم، بل قل يا لك من خجولة لا تخرج في المساء... فالشمس نصيب الحياة.وإن وجدت صديقاً ينصت لحروفك كما ينصت الظل للوقت، ويميل لإيقاعك واضطراب مشاعرك فاحمد الله... فالإنصات نصيب الاهتزاز في القلوب.وإن ذهبت إلى معرض الكتاب لكي تقتني سطراً يغير حياتك، ووجدت كاتباً يقف كالطاووس أمام كتابه، فقل له تواضع، فالتواضع نصيب الكلمة.ولا تتسلَ بتحقير الآخرين، فالوطن والدماء وعائلتك وقمح خبزك وشكل أنفك لم يكن من اختيارك، فالمتغطرسون يا بني لا ينجبون إلا متغطرسين مثلهم، فالتصق بالتراب... فالتراب نصيب الأنبياء.يا بني...إن ركبت قارباً مع امرأة جميلة فلا تحلق مع النوارس في السماء، ولكن ادخل في حديث عابر مع صدى صمتها، ولا تلتقط صوراً إلا بعدسة الروح، وإن كان معك كتاب ما فأغلقه، ففي النهاية هناك فرق بين قراءة كتاب عن الحب وبين الوقوع في حب امرأة، ولا تتكلم كثيرا عن الحب واذهب إلى غدك واثقاً بخيالك، فخيلك الذي تركبه هو خيالك والسؤال، وبحثك الدائم عن السؤال الذي لم يسأل بعد وليس عن الإجابة التي تأسرك وتحبسك في واقع صنعه غيرك... فالخيال نصيب الرؤية والوجود والجنة. يا بني...إن رزقك الله بأبناء فقدم لهم الحب وتقاسم معهم الحكايات، ولا ترفع سقف توقعاتك منهم، وذكرهم في المساء إنك تحبهم لكونهم من هم عليه وحسب... فالأبوة غير المشروطة هي نصيب السلالة فيك.وإن وقفت تودع أبناءك قبل الدخول إلى مدارسهم، فأسمعهم همس الغيوم في دعائك المبشر بالمطر... فالدعاء غذاء الهوية.وإن شعرت بالتعب من الركض نحو مستقبل يسبق «الآن»، ويتلاشى فيه «قبل قليل»... توقف... تنفس... وتذكر ما أقول لك.قصة قصيرة:(مكالمة للتشكيل الوزاري)- أنت وزير مرشح، هل تمتلك مهارات السلم الوزاري؟- نعم... وأرغب بشدة في الصعود عليه.- ما هي أولى درجاته؟- الديموقراطية في قاعة عبدالله السالم.

@moh1alatwan