كتبت هذا المقال قبل موعد التجمع في ساحة الإرادة - الذي دعا إليه النائب السابق صالح الملا - والمؤشرات تؤكد أن التجمع سيكون كبيراً بسبب توافر عدد من العوامل والمحفزات المحلية والإقليمية التي تشجع على المشاركة فيه. وحيث إنني استبعد أن يكون تجمع البارحة هو الأخير، ولأنني أرى أن التجمعات السلمية الإصلاحية «المعززة لمدنية الدولة» حق دستوري، ولكونها معرضة للاختطاف والاستغلال من قبل أصحاب الأجندات السياسية والمشاريع الانتخابية، لذلك قررت أن أخصص هذا المقال لتوجيه رسالة إلى الشباب والشابات الإصلاحيين الذين شاركوا في تجمع البارحة والمتوقع مشاركتهم في التجمعات اللاحقة، لعلّي أساهم في تحصين وترشيد مشروعهم الإصلاحي.بادئ ذي بدء، أنا منذ أن كان عمري 18 سنة وإلى اليوم الذي أبلغ فيه من العمر قرابة 55 سنة، وأنا أجد في هتافات وخطابات السياسيين - من غير المسؤولين الحكوميين - ما يؤكد على أن الأمور كانت «ماصخة» منذ الثمانينيات من القرن الماضي. وكنت وما زلت مطلعا على استيائهم من استشراء الفساد في مفاصل الدولة، وشكاويهم من توزيع حقائب لشراء أصوات ناخبين لصالح خصومهم وأخرى لشراء ذمم نواب في المجلس من المعارضة والموالاة، وسمعت أيضاً روايات بشأن تلاعب في إجراءات تخصيص الشاليهات وفي توجيه قرارات تثمين العقارات، وبلغتني أقاويل بشأن عبث في إجراءات ترسية الممارسات والمناقصات، بل حتى في إجراءات منح وسحب وأسقاط الجنسية الكويتية. الفارق الرئيس بين فساد اليوم والماضي هو في توافر وسائل التواصل الاجتماعي التي ضاعفت من قدراتنا على تناقل أخبار الفساد في وطننا مقابل الإنجازات والتنمية في بعض دول الجوار، وتباعا فاقمت من وقع وأثر الفساد المزمن في الكويت على نفسياتنا. لكي تحقق التجمعات السلمية أهدافها الإصلاحية لا بد أن تستبعد من واجهتها السياسيين الذين اعتادوا ركوب موجات الغضب الشعبي لتحقيق مصالحهم السياسية. فرغم نجاح السياسيين القدامى في تبني الشعارات الإصلاحية إلا أنهم فشلوا في مكافحة الفساد. لذلك يجب أخذ الحيطة والحذر من قدراتهم التنظيرية، التي ثبت بالممارسة التي امتدت سنوات طويلة عدم صلاحيتها في إدارة الإصلاح، وفاقد الشيء لا يعطيه.كما يجب أن يكون لمنظمي التجمعات السلمية موقفاً حازماً من السياسيين المتناقضين المتقلبين وإن شاركوهم في إدانة الفساد، كالذين يستنكرون تضخم ثروات نواب حاليين وسابقين وشراء بعضهم عقارات بعشرات الملايين من الدنانير، متناسين أنهم أيضاً يمتلكون قصوراً بعشرات الملايين في الخارج بعد أن كانت بداياتهم في وظائف حكومية.وثالثا، أدعو منظمي التجمعات إلى الحذر من بعض السياسيين الجدد أصحاب المشاريع الانتخابية الذين اعتادوا على تبني المطالبات الشعبوية بل ورفع أسقفها، وهم متيقنون من أنها لن تتحقق حتى بعد جلوسهم على الكرسي الأخضر. فهؤلاء لا يعنيهم تحقيق أهداف التجمع السلمي بقدر اهتمامهم بأهدافهم الشخصية. من الجانب الآخر، أدعوهم إلى استثمار أوقات تواجدهم في ساحة الإرادة - أثناء التجمعات السلمية اللاحقة - بعقد حلقات عصف ذهني متوازية (متزامنة) من أجل صياغة مطالبهم بالتعاون مع أهل الاختصاص - في المحاور المستهدفة - من غير السياسيين، للخروج بمطالبات واقعية معززة بصورة مستديمة لقدرات الدولة على مكافحة الفساد، كتشريع قوانين لتنمية منظومة العدالة، وتطوير اللوائح التنفيذية في الدولة للمزيد من الالتزام بمعايير الشفافية والنزاهة. فالعبرة في صياغة مطالبات إصلاحية طموحة قابلة للتنفيذ وليس في المزايدة في المطالبات من دون سقف كما كانت في الحراك السابق... «اللهم أرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه».
abdnakhi@yahoo.com