يمر أمامي رجل مسن، بتجاعيد شفافة تبدي ما تحتها من عروق، وبارتعاشة خفيفة في اليد اليسرى، وسواد عين ما زالت متعلقة بأهداب نور الله الذي يجعلها تبصر، والرداء نفسه الذي يرتديه من دون أن يبالي تساؤلات الناس حول عدم استبداله، والسير ببطء شديد في عالم متسارع، يرتدي حذاء مغطى بالغبار حيث يُنبئك بالمكان الذي كان فيه أو المكان الذي يذهب إليه!طريقه إلى الكافتريا كل يوم جعله يمر أمامي، ينتهي من صلاة المغرب ثم يذهب ليشرب القهوة وفي الطريق دائماً أكون في انتظاره من دون رغبة مني في أن أنتظر أحدا.بمجرد أن يسلم عليّ حتى يشرع في الكلام حول موضوع كأنه دائما يكرره، وكأني دائماً أحتاج إلى أن أسمعه، وفي البداية اعتقدت أنه يخصني وحدي بهذا الكلام ولكني اكتشفت أنه موضوعه الوحيد الذي يردده على الجميع بمن فيهم عامل الكافتيريا، الذي يمر أمامه محملاً بالطلبات والهموم، فيوقفه ليكلمه في هذا الموضوع وكأنه يقول بلغة الصمت: (قف هنا... قف الآن... ماذا ستترك من أثر؟).يقول لي:- كيف حالك- الحمد لله- أهم شيء تعليم الأولاد، علم أولادك... نحن أمة عربية واحدة، إذا علمت واحدا فسيرفع رأس الجميع.يسير قليلاً إلى الأمام ثم يعود أدراجه وكأنه يريد العبور فوق المنطوق ليفجر المسكوت عنه فيضيف:- أهم شيء الأولاد... علم أولادك.ثم ينظر إلى الفراغ باحثاً عن شرح ما، يلخص ما تم تلخيصه... ولكنه يصمت صمت من فقد إمكانية الكلام في حضرة الذاكرة. يشير بيده اليمنى بالسلام ويرحل حاملاً يده اليسرى التي لا تستقر من الاهتزاز.هكذا يبدأ الكلام وهكذا ينهيه... دائماً وفي كل يوم يدور بيننا هذا الحوار، ودائماً وفي كل مرة أبتسم وأتظاهر أني أسمعه للمرة الأولى.وما إن يمر ويرحل، حتى كأنه لم يمر... لحظات خاطفة تأخذني إلى المقام الذي استقر عليه هذا الرجل منذ زمن بعيد.وفي الواقع عزيزي القارئ فلقد حاولت كثيراً أن أفك هذا الطلسم المتمثل في هذا الرجل، وقلت في نفسي ماذا يقصد؟ ولماذا يردد ذلك على الجميع؟بل إني أظن - وليس كل الظن إثما - أن هذا الرجل لو صعد المنبر يوماً ليوجه كلمة أخيرة للقادة السياسيين ولرجال الأعمال الاقتصاديين وللبروليتاريا ومن امتلكوا أدوات الإنتاج، وللمتطرفين حد السهم من الرمية، وللمنفتحين حد الهوس بالاقتباسات الغربية... لنسي كل التفاصيل والتصانيف وقال:- علموا أبناءكم... أهم شيء الأبناء!ثم ينزل من المنبر ليقيم الصلاة، هكذا أتصوره ثم أنفجر ضحكاً!ورغم ضيق عبارته وبساطتها، إلا أن رمزيتها تفقدك توازنك وتجعلك تبقى مستنداً على جدار هوامش اللغة، لا إلى ما تشير إليه، تركض إلى التأويل لسد فراغ الفهم... ولكن لا يقين إلا ما وقر في القلب وصدق عليه العمل.وأعلم جيداً أن كلامي هذا لا يفك الطلسم بالنسبة لك أيها القارئ اللطيف بقدر ما يزيده لغزاً... وهذه هي بالتحديد علاقتي بالرجل التي أردت أن أنقلها إليك، وهذا هو بالتحديد ما يشير إليه الرجل بطرف خفي كحالة مروره اليومي. يشير إلى الأبناء... ولا يشير بشيء، يهمس إليك ولا يخاطبك، يكلمك ولكنك لا تراه.وداخل هذا (الما بين) تكون الإشارة لأبنائك كشكل من أشكال الأثر.ربما هو إذاً يتحدث عن الأثر ولكنه يشير إلى حامله، أبناؤك الذين يحملون أثرك... وأثرك الذي هو أنت.اكتملت الدائرة في الوعي، ومات الرجل بالأمس من دون أن ينشر له نعي في الجرائد، وجاء خبر موته قبيل وقت مروره المعتاد، ولكنه رغم ذلك مر أمامي... كشكل من أشكال الأثر.سلمت عليه وابتسمت له ومشى بصمت، وبصمت ترددت في إذني كلماته التي لا تقول شيئاً، ولكنها تقول كل شيء.اتهمني أصدقائي بالجنون وأنا أروي، وكاد أحدهم مازحاً أن يرميني بحجر.المهم... علموا أبناءكم معنى الأثر.Moh1alatwan.