«التجديد والتنوير»... شعار رفعته الأحزاب الإسلامية والجماعات المذهبية والتيارات العروبية، وتقابل فيه فريقان على طرفي نقيض:الأول: أصحاب التنوير والعصرانيون والحداثة، وهؤلاء شككوا في قواعد الشريعة، والأئمة الأربعة (مالك وأحمد والشافعي وأبو حنيفة) ونبذوا جميع المذاهب ونسفوا طرقهم في الاستنباط والترجيح في الفقه الإسلامي.الثاني: فريقٌ تعصب للمذهب وجعل قول الفقيه والعالم كأنه نص مقدس، وتعامل مع كتب الفقه كما يُتعامل مع القرآن والحديث الشريف، بل وقامت بينه حروب بسبب الخلافات الفقهية وعاش العالم الإسلامي بدءاً من القرن الرابع الهجري بين رحى الجمود والتعصب المذهبي والتقليد، إلى أن وصل إلى القرن الثامن عشر الميلادي حيث أينعت رؤوس الحداثيين وأصحاب التنوير، الذين نبذوا الدين واعتبروه أفيون الشعوب! فعاش المسلمون بين إفراط وتفريط.ومما يجدر بنا هنا أن نُذَكِّرَ بماذا تتميز النصوص من الكتاب والسنة، وما الذي يدخله التجديد، وما الذي لا يدخله التجديد حتى نُميِّز بين الغث والسمين من هذه الدعوات الراميةِ إلى تجديد الشريعة بزعمهم من خلال هدم قواعد وأصول الشريعة المستقرة، وإحلال أهوائهم الفجة وآرائهم المعوجة التي شغلوا الناس بها.فالشريعة الإسلامية - ونعني بها القرآن والسنة فقط - تتميز عن الفقه الإسلامي الذي هو فهم الفقهاء وتطبيقهم للدين بعدة مميزات تخالف فيها الفقه ونعلم من خلالها ميدان التجديد وعدم التجديد فيها، حتى لاتنطلي علينا زيف هذه الدعوات.النص الشرعي حاكم على الجميع بخلاف كلام البشر، ومتى عكسنا هذه الحقيقة ظهر عندنا آفة التعصب والتحزب والتقليد وأبطلنا ثمرة التراث الإسلامي الأصيل، وحصل بيننا التفرق والخلاف بسبب أقوال البشر، لأن بعضها ظاهر في التعارض والتناقض وذلك تبعاً لطبيعة البشر.وقد حكم الله شرعه ودينه في باب العقائد، فلا يدخلها التجديد وكذا باب العبادات والأخلاق، فهذه من الثوابت التي لا تتغير بتغير الزمان والمكان.النص الشرعي شامل ويستغرق الثقلين - الإنس والجن - وفيه كفاية لهم ويشمل المستجدات والحوادث والنوازل، ولن تجد نازلة سياسية أو دينية أو اقتصادية أو طبية إلا ونصوص الشريعة تشملها، سواء بالنص أو الإيماء أو الفحوى أو القياس أو الإشارة أو قياس الأولى أو العكس.والنص الشرعي ثابت في كل زمان ومكان، وهو صالح لكل الظروف ولا تناقض فيه ولا اختلاف لقواعده، فمهما اختلفت الثقافات والمستويات والعقول فإن عدله ظاهر وسماحته ويسره في أحكامه وإزالة كافة المشاق عن المكلفين، يثبت أنه تنزيل العزيز الحميد قال تعالى:(يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ).النص الشرعي معصوم والفقيه غير معصوم، وعليه فإن التعلق بمنهج العلماء وقواعدهم في الاستنباط في أمان وله ثمرات كما قال تعالى: (أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ) والأمر الإلهي هنا بالاهتداء بمنهجهم في الاستدلال لا بذواتهم وأشخاصهم!وعليه نفهم ما قاله أبو بكر الصديق رضي الله عنه حينما بلغه نبأ وفاة النبي صلى الله عليه وسلم حيث قام خطيباً في المسجد النبوي فقال: أيها الناس، إنه من كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت، قال: ثم تلا هذه الآية ( وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللهُ الشَّاكِرِينَ)[آل عمران: 144].وهنا لابد من التفريق بين المنهج وبين الأشخاص، لأن التعصب لذوات الأشخاص من الفقهاء والتحزب للمذاهب والمشارب، هذا صنيع ضعفاء العقول فإن الأئمة جميعاً كالإمام مالك والإمام أحمد والشافعي وأبو حنيفة وسفيان الثوري والأوزاعي وغيرهم كثير ممن شهدت لهم الأمة الإسلامية بالعلم، هؤلاء جميعاً ساداتنا وليس بعضهم أولى ببعض من التعصب لهم، فافهم هذا يرعاك الله.وحُفِظت لهم نصوص في النهي عن التعصب لذواتهم أو لأقوالهم قال الإمام أحمد: «لا تقلدوني ولا تقلد مالكاً ولا الشافعي ولا الأوزاعي ولا الثوري وخذ من حيث أخذوا»، ثم إن النص الشرعي فطري يناسب حال الإنسان من حيث الصحة والمرض والإقامة والسفر وحال السلم والحرب ويناسب الشاب والشيخ الكبير ويناسب الغني والفقير، بحيث لا يجد هؤلاء حرجاً في تطبيق أحكام الشريعة رغم ما يعتري حال الإنسان.

الخلاصة:العلماء الربانيون كالنجوم في هدايتهم لنا ودلالتهم على الطريق، وحاجتنا إليهم كحاجتنا للطعام والهواء، ولا مانع أن يبدأ الإنسان حياته مقلداً ثم يتحرر من التقليد بمقدار فهمه ونبوغه، والموفق الذي يبقى على الجادة، يسير على قواعد أهل العلم وإن خالف بعض فتاواهم لكنه ملتزم بقواعدهم ولا يشذ عنهم فمن شذّ شذّ في النار.