معايير تصميم المباني في تطور كمي ونوعي مستمر، لأسباب متعددة من بين أبرزها زيادة ارتباط الانسان بالمباني، وارتفاع مستوى الرفاهية لديه، وتطوّر فهمه للمباني وأنظمتها، وتباعا تنامي قدرته على تحسين آثارها المباشرة وغير المباشرة عليه وعلى البيئة المحيطة به. على سبيل المثال، نجد أن ترشيد استهلاك الطاقة في المباني أصبح معياراً ذا أولوية قصوى في تصميم المباني في الدول الغربية بعد أول أزمة نفط عالمية، عندما أعلن أعضاء منظمة أوابك في عام 1973 وقف إمداداتهم من النفط إلى البلدان التي كانت تؤيد إسرائيل. وبعدها بسنوات برزت أهمية معيار جودة الهواء داخل المباني، حيث ظهرت حالات مرضية تسمى «أعراض المباني المريضة»، وهي حالات مرضية منشأها تدني جودة الهواء في المباني وتزايدت بعد التطبيق الصارم لتدابير حفظ الطاقة في المباني. ومنذ بداية القرن الحالي اعتبر معيار الاستدامة، المعني بتقليل الآثار السلبية للمباني على صحة الانسان وسلامة البيئة واستدامة الموارد الطبيعية، من المعايير الأساسية في تصميم المباني. وفي خط موازٍ، تنامى مستوى الراحة والرفاهية المنشود عند تصميم المباني.بالنسبة لمباني الرعاية الصحية يحرص مصمموها على مساعدة وتمكين الكادر الطبي والكوادر المساندة من توفير رعاية عالية الجودة والكفاءة. وفي الوقت ذاته يسعى المصممون إلى توظيف التشطيبات والتفاصيل الدقيقة للمبنى في مساعدة المريض وأسرته على تحمل ضغوط المرض وتعجيل تعافيه. فالدراسات أثبتت أن البيئة المبنية لها أثر ملحوظ على صحة ونفسية المرضى، وأن الغرف المشرقة بالضوء الطبيعي والمزودة بنوافذ كبيرة مطلة على مناظر خارجية جميلة يمكنها أن تمنح المرضى دعما نفسياً وجسدياً يساعد في علاجهم.معظم غرف المرضى في مستشفياتنا مزودة بوسائل الراحة والرفاهية بدرجة مناسبة، بل إن بعضها يتميز بنوافذ كبيرة مطلة على البحر كما في مستشفى التعاونيات للقلب. ولكن من جهة أخرى، نسبة كبيرة من غرف المرضى لدينا تم تصميمها من دون اعتبار مناسب للمسائل الشرعية من قبيل توافق اتجاه سرير المريض مع اتجاه القبلة، الأمر الذي حرّم العديد من المرضى المقعدين من الصلاة باتجاه القبلة.أنا أعلم بالرخصة الشرعية للصلاة من دون استقبال القبلة للعاجز عن استقبالها، ولكن اشارتي هنا إلى أثرها السلبي على نفسية العديد من المرضى الذين يحرصون على ألا تتأثر عباداتهم سلباً بحالتهم الصحية الطارئة. وأيضا إشارتي إلى أن «العجز عن استقبال القبلة» وصف نسبي قد يدفع بعضهم إلى تدوير أسرّتهم بدرجة تضر الاسلاك والأنابيب الموصلة بهم. لذلك أناشد المعنيين بتصميم وتشغيل المستشفيات مراعاة البعد الشرعي في إقامة المرضى، لأنه الأولوية الأولى بالنسبة لتلك الشريحة من المرضى. هناك أيضا مسائل شرعية أخرى تجب مراعاتها في المستشفيات، ومنها مسألة منع انتقال العدوى عبر المصاحف وكتب الأدعية وترب التيمم. وكذلك مسألة اتجاه المراحيض، حيث إن شريحة واسعة من المسلمين ترى عدم جواز استقبال أو استدبار القبلة أثناء التخلّي. لذلك أدعو إدارات المستشفيات إلى استقصاء المسائل الشرعية محل ابتلاء المرضى من خلال التواصل المباشر معهم، والسعي لمراعاتها أثناء إدارة وتشغيل المستشفيات، وأيضا توثيقها في صورة توصيات لتتم مراعاتها في تصميم مستشفياتنا المستقبلية... «اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه».
abdnakhi@yahoo.com