ذكرتْ «مصادر قريبة من مصادر أقْرب يتقاطع كلامُها مع تقارير سرّية خارجية وأخرى داخلية» أن قائد الجيش اللبناني العماد جوزف عون قال في مجلسٍ خاص، لا يمكن تحديدُ مكانِه وزمانِه، إنه قد يكون يوماً ما رئيساً للجمهورية. ثم توضح بعض وسائل الإعلام ما كتبتْ كي تعطي «صدقيةً» لأخبارها فتورد ما مفاده أن العماد كان في مجلسٍ خاص (ودائماً مجهول المكان والزمان) لكنه لم يبادر لإعلان رغبته في الترشّح مستقبلاً للرئاسة بل قال رداً على سؤال لأحد الحاضرين (مجهول أيضاً) حول إمكان وصوله إلى الرئاسة: «كل شيء وارد»... وما كان ينقص البعض إلا أن يقول التالي: «رَصَدَتْ أجهزةُ كشْف الأحلام أن قائد الجيش اللبناني شوهد في أحد المنامات متلبّساً بالرغبة في الوصول إلى رئاسة الجمهورية».الغمْزُ من قناةِ قائد الجيش لا يهدف طبعاً إلى مُحاصَرَةِ حركتِه مستقبلاً عند استحقاقٍ يعرف القاصي والداني أنه مربوطٌ بساعةِ ضبْطٍ إقليمية واضحة، لكن المقصود بالتأكيد محاولة مُحاصَرَةِ حركته راهناً وربْط نهجه في إدارة أكبر مؤسسة لبنانية بالإيقاع السياسي الذي لم يَعرف البلد في تاريخه أسوأ منه.ففي مواجهة حالةٍ لبنانيةٍ عامةٍ لا ثوابت أو ضوابط فيها، يَجْهَدُ جوزف عون للنأي بالمؤسسة العسكرية عن هذه الحالة عبر رفْع مستوى الالتزام بالثوابت والضوابط.وفي مواجهةِ سلطةٍ يتباهى أقطابُها للمرة الأولى في لبنان بأن الاتفاقَ على تَقاسُم الموارد بينهم صار الرابطَ الحامي من انفلاتِ الصراعات وانفجار التوترات السياسية، يعمل قائدُ الجيش على تكثيفِ الرقابة الداخلية بشكل غير مسبوقٍ وعلى تكريسِ مسْطرة واحدة للمعايير في كل القطاعات حرْصاً على بقاء «الشرف والتضحية والوفاء» دستوراً حياً في وجدان كل مُنْتَسِبٍ للجيش بعيداً عن المَكاسب الشخصية والمَصالح الآنية.وفي مواجهةِ التعاظُم المروع للحالة الطائفية التي يَتَشارَكُ فيها غالبية مَن في السلطة كونها صارتْ ركائز لكراسيهم، يُشْرِفُ جوزف عون بشكلٍ يومي على المَناهج والدراسات داخل الجيش ويوجّه بتطويرها دائماً لِما هو وطني وغير طائفي ولِما هو عصري وغير جامد ولِما هو علْمي وغير عاطفي، ويَعتبر أن النجاحَ في ترسيخِ العقيدة العسكرية (عند التخرّج أو الدورات اللاحقة) لا يقلّ أهميةً عن النجاح في حقول الرماية والقتال الميداني. وفي مواجهةِ سعي البعض لربْط الأمن في لبنان بريموت كنترول أقطاب إقليميين أو دوليين، يسعى جوزف عون لتكريس «الأمر لي» في ما يتعلّق بـ«لبنانيّة» السيطرة على التوترات أو الإجراءات الوقائية. ويَعْلَمُ القريبون منه حجمَ المتابعةِ اليومية لتقارير الأجهزة في مختلف المناطق وقدرتَه على إعطاء الأمرِ بالتحرك في التوقيت الدقيق حتى لو تَعارَضَ هذا الأمر مع حساباتِ قوى الأمر الواقع ومَراجعها في الخارج. من طرابلس شمالاً حيث خطوط النار مع سورية عبر وكلاء محليين، إلى الخط الأزرق جنوباً حيث خطوط النار مع اسرائيل، ومن المخيّمات الفلسطينية إلى عرسال حيث خطوط النار الإقليمية، ومن البقاع إلى بيروت إلى الجبل حيث خطوط النار المُفْتَعَلَة لتوليدِ حالاتٍ أمنية جديدة... يقبْض أفراد الجيش على الأمر قَبْضهم على الجمر. يطفئ «القائدُ» النارَ ويتْرك للسياسيين العودةَ إلى الحوار والحلول مع ما يُصاحِبُها من تسوياتٍ وصفقات.وفي مواجهةِ جرّ لبنان الداخل إلى مَحاوِر الخارج، يُلاحِقُ جوزف عون مصلحةَ لبنان في الداخل والخارج. يُدْرِكُ أن علاقات لبنان بمحيطه العربي هي علاقاتٌ تدْخل في صميمِ «الأمن الوطني» وأن أي تهديدٍ لها إنما هو تهديدٌ للاستقرار بأكثر من معنى. ويُدْرِكُ أن علاقات لبنان بالعالم ركيزتها المصلحة لا التبعية، فما يخدم الجيش تحديداً وينْسجم مع المصلحة الوطنية يُقْدِم عليه وما يَتَعارَضُ مع هذه المصلحة يرْفضه.لا يُلامُ الذين يُطْلِقون النارَ سراً وعلناً على نهْج قائد الجيش، وخصوصاً في لبنان فهو نهْجٌ يَتَعارَضُ تماماً مع السائد، وهو أمرٌ مُتَوَقَّعٌ في بلدٍ طغى «كوكتيل» الفساد والطائفية والتبعية على الشؤون الوطنية والقانونية والدستورية والأخلاقية. الرجلُ ليس مَلاكاً وليس مُنَزَّهاً إنما هو بكلّ بساطةٍ يقوم بعمله الذي اؤتمن عليه. المشكلة أنهم يريدونه أن يقوم بعملهم وهو لن يفعل... ولذلك استحقّ أن يُطْلِقوا عليه تهمةَ «الترشّح للرئاسة» رغبةً منهم في إرباكه وتصنيفه واستدراجه من منطقته السيادية إلى مَنْطِقِهِم السياسي.