في يوم الجمعة الماضي وبمناسبة الذكرى الـ29 للغزو البعثي الغاشم، عرضت القناة الأولى التابعة لتلفزيون الكويت برنامجا بعنوان «كلنا الكويت»، استضيف فيه نخبة من الأكاديميين، وكان من بينهم أستاذة العلوم السياسية في جامعة الكويت الدكتورة هيلة المكيمي والباحث الخبير في إدارة الأزمات والكوارث اللواء متقاعد يوسف الملا، اللذَان تميّزا في البرنامج بطرحهما الاستراتيجي وتحليلهما الموضوعي.الدكتورة المكيمي أوضحت أن الوحدة الوطنية ركيزة رئيسة في تأسيس واستمرار الكويت، لأنها كانت حاضرة عند نشأتها، وبها اجتاز الكويتيون الأزمات المتعدّدة التي عصفت بهم. وترى الدكتورة أن ثقافتنا المدنية من أهم أسباب استمرارية الوحدة الوطنية لدينا، ولذلك تدعونا إلى ترسيخها من خلال تعزيز المواطنة الدستورية. تلك المواطنة النابعة من العدالة والمساواة في الحقوق والواجبات بين جميع أطياف وفئات المجتمع.هذا الطرح الاستراتيجي من الدكتورة ارتبط تلقائياً في ذهني بالتعقيبات والتعليقات الإيجابية والسلبية التي صدرت من سياسيين تجاه خبر اعتماد اللجنة التشريعية يوم عاشوراء عطلة رسمية للعاملين في القطاع الأهلي. فتصريحات بعضهم توحي بأنهم لم يدركوا أن قرار عطلة عاشوراء ذو بعدين: تنظيمي وآخر استراتيجي تنموي. فالبعد الأول مرتبط بتقنين «حماية الدولة حرية القيام بشعائر الأديان»، الواردة في المادة 35 من الدستور، وذلك لمنع تكرار حالات تعسّف تجاه بعض المعزين في عاشوراء، وأنا شخصياً كنت أحدهم في الثمانينات من القرن الماضي. وأما البعد الثاني للقرار، فهو بعد استراتيجي متعلق بترسيخ المواطنة الدستورية وتنمية ثقافة التعددية في «الدولة» من أجل تعزيز وحدتنا الوطنية، البعد الذي أسهبت فيه الدكتورة المكيمي.لذلك أزعجتني الآراء السطحية التي طرحها بعض السياسيين المعارضين لقرار عطلة عاشوراء. لأنها قد تساهم في تشكيل رأي عام معارض للقرار، يعرقل أو يعيق إقرار العطلة في المجلس. المحصلة أننا قد نضيّع فرصة حقيقية لتحصين مجتمعنا من حالات تعسّف إداري تجاه المعزّين في عاشوراء، تلك الحالات التي تتجدد مع تفاقم الاحتقان الطائفي الإقليمي. مجمل الآراء المتحفظة والمعارضة للقرار مبنية على جزئيتين: الأولى نسيان أو عدم الاطلاع على حالات تعسّف إداري حدثت ضد بعض المعزّين، والثانية التوجّس من الاختلاف في ثبوت رؤية هلال شهر محرم الحرام. وهو توجس مستحق ولكن يمكن احتواؤه بأكثر من طريقة، من بينها جعل عطلة عاشوراء يومين كما هي في مملكة البحرين.وقبل الختام لا بد من الإشارة إلى ما طرحه الخبير الملا بشأن التحام المواطنين وتكاتفهم أبّان الغزو. حيث إنه اعتبر وحدتنا في تلك الأزمة بأنها كانت خيارنا الوحيد، لأن الاحتمال المقابل لذلك الخيار، كان تفككنا وانهيار معنوياتنا ثم استسلامنا للغزاة، وهذا الاحتمال لم يرتق ليكون خياراً لنا. لذلك أرى أن من يفتخر بوحدتنا الوطنية أيام أزمة الغزو، عليه أن يعتز أيضاً بإجماع أعضاء اللجنة التشريعية - باختلاف انتماءاتهم المذهبية - على إقرار عطلة عاشوراء. بل إن في هذا الاجماع درجة راقية، لكونها اختيارية، في حين أن وحدتنا أمام الغزاة كانت إلزامية... «اللهم أرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه».

abdnakhi@yahoo.com