وجودك كفرد مستقل في مجتمع، تربطك علاقات متعددة مع أفراده، الذي بدوره يلزمك بأمور كثيرة لابد أن تؤخذ بالاعتبار.يقول سيغموند فرويد: «إن أي شيء تفعله أو أفعله ينبع من دافعين: الجنس والرغبة في أن تكون عظيماً»، وجون ديوي أحد الفلاسفة الأميركيين لم يختلف معه كثيراً حين قال: «إن أعمق الدوافع في الطبيعة البشرية هي الرغبة في أن يكون مهماً»، فهل نختلف معهم في ذلك؟ أعتقد أن جميعنا متعطش إلى التقدير والرغبة في أن يكون مهماً.الجميع في هذا العالم بحاجة إلى الشعور بالتقدير والرغبة في أن يكون مهماً، تلك الحاجة تسيطر على أمور كثيرة حتى نشبع تلك الرغبة، ولولا تلك الرغبة لما تطورت الحضارات ولم نكن لنتقدم نحو الأفضل.تختلف طريقة كل منا في كيفية إشباعه تلك الرغبة، فمنا من يجتهد سنوات عديدة في الدراسة كي يصبح دكتوراً أو محامياً، ومنا من يقرأ كتباً كثيرة كي يكون مثقفاً، ومنا من يتمارض ليكسب اهتمام الآخرين.يقول ديل كارنيجي في كتابه (كيف تؤثر على الآخرين وتكسب الأصدقاء): «إن عدم إشباع رغبتنا في الشعور بالأهمية قد يجرنا إلى الجنون!».سأل كارنيجي رئيس أحد المستشفيات النفسية في بلده: «لِمَ يجن الناس؟»، فأجاب صراحة أنه لا يعرف على وجه التحديد ولكنه قال: «إن العديد ممن يصابون بالجنون يجدون فيه شعوراً بالأهمية لم يستطيعوا تحقيقه في عالم الواقع!»، وذكر قصة المريضة التي تحول زواجها إلى مأساة، فقد كانت تريد الحب والمتعة والأطفال والوجاهة الاجتماعية ولكن الحياة خيبت كل آمالها، فزوجها لم يحبها، بل إنه رفض أن يأكل معها وأجبرها أن تأتي له بوجباته في حجرته في الدور العلوي، ولم ترزق بأطفال، وكذلك لم تحصل على الوضع الاجتماعي الذي لطالما سعت إليه، ولذلك جنت! وفي عالم الخيال طلقت زوجها واستعادت اسمها قبل الزواج، وهي الآن تتخيل نفسها تزوجت من عائلة انكليزية أرستقراطية وتصر على مناداتها لقب سميث، وتتخيل أنها تنجب طفلاً كل ليلة.إذا كان من الممكن أن يجن الناس لإشباع رغباتهم، فلك أن تتخيل ما سينتج لو أنك أشبعت تلك الرغبة والنزعة لدى من تحب.قدم تقديراً صادقاً نابعاً من القلب، قدرهم وامدح مزاياهم وتأكد أنهم لن ينسوك أبداً، بتقديرك لهم تشعرهم بأهميتهم لديك، وبأنهم يحتلون جزءاً كبيراً من تفكيرك واهتمامك، وهذا بدوره يجعلهم لن يكفوا عن حبك أبداً. ليست تلك الرغبة التي تجمعك بعلاقات مريحة مع أفراد المجتمع، بل هناك أشخاص قد تتعرف عليهم، بلا هوية وربما بلا رغبة!بلا شك أن استقلاليتنا كأفراد عاقلين ومستقلين تجعلنا نختار دائماً ما هو الأنسب، نختار ما نجده ملائماً لنا كأشخاص مسؤولين وكبار، إلا أن هناك شيئا ما يؤثر بعض الأحيان في قراراتنا ألا وهو الانسياق في اتجاه رأي وتفكير ما، وعادة ما يكون نحو رأي الجماعة، وبالتالي ينتج تغيير في أفكارنا وسلوكنا الخاصة، وعلى الأغلب يكون هذا الانسياق نحو رأي الغالبية لكن لا يكون بالضرورة.كان شريف من أوائل علماء النفس الاجتماعي الذين اهتموا بظاهرة الانسياق، فقام بتجارب عديدة منها: استخدامه عددا من المتطوعين، حيث طلب من المشاركين في التجربة تقديم تقديرات للمسافة التي تتحرك فيها نقطة الضوء في مكان مظلم، وكان المشاركون يضعون تقديراتهم مرتين، مرة على انفراد ومرة كأعضاء في جماعات، ولوحظ أن الاجابات تختلف عندما يكونون في جماعة، إلى أن تصبح إجابات أعضاء الجماعة مشابهة إلى حد كبير، وهذا ما نلاحظه في حياتنا ومجتماعتنا.هناك عوامل عدة مؤثرة في الانسياق وراء الجماعات ومنها: الإجماع، فكلما ازداد تشابه إجابات وآراء الجماعة زاد الانسياق إليهم بدرجة أكثر، وأيضا صعوبة الموضوع المطروح فكلما زادت الصعوبة زاد معها الانسياق، كذلك الأشخاص أصحاب التقادير المنخفضة للذات، والذين يهتمون كثيراً بالعلاقات الاجتماعية، ولديهم حاجة قوية للقبول الاجتماعي، يكون الانسياق لديهم بدرجة كبيرة وينجذبون إلى أعضاء الجماعة الآخرين بصورة أعلى واسهل.لكن السؤال هنا: هل يعتبر الانسياق أمر ايجابي أم سلبي؟ في بعض الأحيان نرفض الانسياق محاولين عدم التأثر بالجماعات، وذلك خوفاً من فقدان الهوية الشخصية ومحاولة الاحتفاظ بالاستقلالية وهذا شيء إيجابي، إلا أنه في أحيان أخرى يكون للانسياق فائدة اجتماعية جيدة مثل التفاعل الاجتماعي بين اعضاء الجماعات، واستمرار الحياة الاجتماعية.لذلك من الجيد لو أننا أخذنا معلومات الآخرين بعين الاعتبار عندما نملك قدراً أقل من الخبرة، ونكون بحاجة لمساعدتهم في بعض الأمور أو في اتخاذ القرارات، فالانسياق جيد في بعض الأحيان وليس في كل الأوقات.نقطة أخيرة مهمة في التعامل مع الآخرين من حولنا، ألا وهي النصح، نحن نميل بشدة إلى تقديم النصائح للآخرين، ونقوم بإسداء النصائح التي نراها ملائمة ومفيدة، وهذا أمر طبيعي لأننا نحبهم ونهتم بهم، ونقوم بذلك بحسن نية محاولين مساعدتهم على حل مشاكلهم، وربما يكون محاولة لإثبات الذات، على أي حال احذر من أن تقوم بذلك.ابتعد كل البعد عن إسداء النصائح، فأنت لست متأكداً بشكل قطعي، لعلها تكون نصيحة سيئة، وبالتالي ستعاني من عواقبها، أو قد تسبب الضرر بدلاً من الإفادة، حينها ستشعر بتأنيب الضمير.إن إسداء النصائح كفيل بأن يقلل من شأن من تحب مهما كانت طريقتها في اللباقة والكياسة وإن كانت صائبة، فأنت بذلك تُشعرهم بالنقص من حيث العقل والتفكير في حل المشكلات، بدلاً من مساندتهم.قد يكون هدفك من وراء النصيحة منحهم السعادة لكنك في الحقيقة تفعل عكس ذلك، فأنت تسلبهم القدرة على التفكير وتطوير الاعتناء بأنفسهم، فهم قد يتبعون النصيحة فقط دون إدراك، وبالتالي يلغون التدريب المطلوب للمساعدة في حل مشكلاتهم بأنفسهم.هل شعرت مسبقاً بالسيطرة والتحكم عندما يسدي أحدهم النصيحة؟ إني على يقين أنك شعرت بذلك، لأن النصيحة تعطي انطباعاً بالأمر حتى وإن لم تُستخدم كلمات الأمر والإلزام، كذلك تجعلنا بين أمرين أحدهما أسوأ من الآخر، إلا أننا ملزمون بواحد منها، فإما أن نقبل النصيحة ونشعر بذلك أننا مدينون لهم بالمساعدة أو ألا نتبع نصيحتهم فنجعلهم يشعرون بالاستياء من المحاولة.لذا ابتعد عن إسداء النصائح حتى وإن طلبت منك، فقد يكون كسولاً ولا يريد تحمل مسؤولية مشكلته أو قد يبحث عمن يلومه في حال اتخاذه قراراً خاطئاً، فابتعد عن الشر ولا تنصح.
sahar.gh.b.a@hotmail.comInstagram: saharbnali