في شهر مايو عام 2014 وفي إحدى قرى الهند في ولاية أوتار، تم العثور على جثتين لفتاتين في سن 15 سنة وهما مشنوقتان على جذع شجرة، وسرت الإشاعات في البلاد أن الفتاتين تعرضتا للاغتصاب الجنسي، ثم تم شنقهما وبسبب هذه الاشاعات قامت مظاهرات في كثير من أنحاء الهند ومواجهات مع رجال الشرطة، واتهمت الحكومة ورجال الشرطة بالتواطؤ مع المجرمين، وبطبيعة الحال دخل على الخط كثير من الخلافات الدينية والعرقية والسياسية لتأجج هذه المظاهرات والغضب الشعبي، وكاد الكثير من ولايات الهند يحترق بسبب هذه الحادثة!بعدها بقرابة ستة أشهر أصدر مكتب التحقيقات المركزي في الهند تقريره، الذي أثبت كذب هذه الواقعة ودلت تحرياته والأدلة على أن الفتاتين خرجتا من منزلهما ليلاً لحضور احتفال سري، وأن واحدة منهما أقامت علاقة مع شاب في حقل قريب من القرية، وأن أحد أقاربها شاهدها في الحقل مع هذا الشاب، وخوفاً من الفضيحة أو انتقام أهلهما منهما قامتا بشنق نفسيهما على الشجرة.من يقرأ التاريخ يعرف يقيناً أن كثيراً من أحداثه الكبرى وحروبه وقعت بسبب «إشاعة» أو فهم خاطئ لموقف، اليوم هناك ثلاثة أضلع لمثل هذه الإشاعات، صانعو الاشاعة، وثورة تكنولوجية رهيبة تنقل الخبر أو الاشاعة بسرعة الضوء مع كل مؤثراتها من صوت وصورة ولعلها غير حقيقية، ومتلقٍ أصبح مستعداً أكثر من ذي قبل لتلقف مثل هذه الاشاعات، الضلعان الأولان لا يمكن السيطرة عليهما فقد أصبحا فعلاً خارج نطاق السيطرة، أما الضلع الثالث «المتلقي» فأعتقد أننا اليوم بأمس الحاجة إلى ترسيخ قواعد تصديق الخبر، نحن بحاجة إلى ما أسميه مرحلة «التدقيق»، أن نعي ونعلّم أنفسنا وغيرنا كيفية التدقيق في الأخبار أو الصور أو حتى الفيديوهات، أن يكون هذا نهج حياتنا لا نصدق أي شيء من دون تدقيق.الكويت مثلاً... تتعرض لحملة شعواء من الإشاعات داخلياً وخارجياً، ويساعد كثير منا على صنع أو نشر هذه الاشاعات، نحن لا نعي أننا بهذا النهج نهدم مجتمعاً بكامله ونهدم نفوس هؤلاء البشر الذين يعيشون في هذا المجتمع، ولا نعي أيضاً أن ما نكتبه يتم رصده خارجياً ويعتمد كأساس لإعداد كثير من التقارير، وليته في النهاية حقيقة!استذكرت هذه الحادثة في الهند وغيرها من الحوادث الكثيرة، وأنا أتابع ما نشرته جريدة «الراي» الأسبوع الماضي من أخبار التحقيقات والاعترافات التي أقر بها الشخص المقبوض عليه حالياً بتهمة الإساءة للغير ونشر أخبار كاذبة، والطريقة التي يعمل بها مثل هؤلاء عبر حسابات وهمية في مواقع التواصل، وتشكيل شبكات أشبه بالمافيا كما أسمته «الراي» و«رهاب السوشيال ميديا» وعبر «خطوات لإخضاع الشخص المبتز» مسؤول كان أو غيره، ولا شك أن أحد أهم أسلحة أمثال هؤلاء هي الإشاعة التي يطلقونها، سواء ضد أشخاص أو ضد وضع عام ويصدقها المجتمع ويبني عليها رأيه.السؤال المهم هنا: هل يعتبر ويستفيد المجتمع من خبر واعترافات هذا المتهم، ومن نشر الطريقة التي تعمل من خلالها هذه الحسابات الوهمية وهدفها؟ الجواب للأسف: لا، المجتمع ما زال يلهث خلف حسابات وهمية يصدّقها ويتداول ما تنشره! يقرأ خبر القبض على «فلان»، ويسمع اعترافاته وهو ما زال يتابع «فلنتان» ويصدّق أخباره وفبركاته!بعيداً عن التاريخ... كثير من الدول اليوم والمجتمعات يحترق إما بالحرب الفعلية وإما بالحرب السياسية والطائفية، ومرجع هذا كله إلى الإشاعات أو عدم التدقيق، نحن فعلاً بحاجة أن نُعلِّم أنفسنا وغيرنا هذا المنهج ليكون هو السائد!
@lawyermodalsbti