في أميركا أراد صاحب مصنع بيرة أن يعلن عن منتجه لتزيد أرباحه، فذهب إلى أحد عباقرة الإعلانات الذي يملك مجموعة من المقولات المتخصصة في الترويج للهراء.وبعد أن زار الرجل مصنع البيرة، ولاحظ أن عملية التخمير والصناعة معقدة جدا، لفت انتباهه أن المصنع يعقم زجاجات البيرة بالبخار.هنا وقف وصرخ قائلاً:- وجدتها... سيكون الإعلان: زجاجاتنا تعقم بالبخار الطبيعي. فقال صاحب المصنع لكي يلفت انتباه الرجل:- ولكن كل المصانع الأخرى تعقم زجاجاتها بالبخار!فقال عبقري الإعلانات:- ليس مهماً ما تفعل... المهم هو كيف تضخم ما تفعل!اللعبة تشبه إلى حد كبير ما يحدث غالباً تحت قبة البرلمان، ولكن ليس في أميركا بل في الكويت، فليس مهماً ما تفعل ولكن المهم هو كيف تضخم ما تفعل.يقدم عضو البرلمان «الاقتراح بقانون» ثم ينشره في حسابات التواصل الاجتماعي، لدرجة أن الاقتراحات بقوانين أصبحت جزءاً من حياتنا اليومية، ولكننا في نهاية اليوم ننساها مثل بقية الصور والتغريدات والفيديوهات التي نشاهدها عبر التايم لاين.يصبح الاقتراح بقانون مجرد ثرثرة وخطابة فارغة وفصاحة قانونية، عندما يتعامل مع المجتمع مثلما تعامل متخصص الإعلانات مع صاحب مصنع البيرة قبل قليل.فالناس لا تريد اقتراحات بقوانين، بقدر حاجتها إلى عضو برلماني يمتلك فريق عمل بمهارات وخطوات كيفية الخروج بمقترح على حدة وقانون على حدة، وكيفية صناعة ذلك مع الناس وليس من أجلهم فقط.فالفرق بين أشعار المداحين وبين آليات المشاركة في اقتراح بقانون هو أن الأولى جزء من تراث لغتنا العربية يمتكله الشعراء الجوالون، أما الثانية جزء من الدور البرلماني الثابت.إذا ضاعت هذه الحقيقة المسطحة، فعلينا أن نعلم أننا ندور في سلسلة من الاقتراحات بقوانين، لا يستفيد منها أحد سوى سجل النائب بعدد الاقتراحات، من أجل عرضه في «البوربوينت» للانتخابات المقبلة.ولا شك أن هناك نواباً صادقين في الكثير من اقتراحاتهم للقوانين التي يعملون عليها، وهناك نواب يفضلون أن تكون اقتراحات قوانينهم هي مطالب شعبية جماهيرية، قد تصبح السمة الغالبة عليها هي فقدان التوازن والمعقولية!ولكني في الواقع أشير إلى اقتراحات القوانين النافعة والمتوافقة مع مبادئ الدستور، مثل التوسع في الحريات والتكافل الاجتماعي والتماسك المؤسسي والوطني، ومزيد من الرفاهية التنموية للشعب الكويتي.ما الطريقة التي يخلق بها أعضاء البرلمان الكويتي مجتمعهم السياسي المنظم الذي يعيشون فيه؟يقدم عضو البرلمان الاقتراح فقط، من دون تعاون مع أحد، معتبراً أنه بذلك قضى دين الوعد الانتخابي بالصوت والصورة والتغريدة، فإذا جن الليل على المواطن وبدت السموات مثل رصيف لليأس، ونام أبناؤه على الوضع نفسه بين الأمس والغد، وتمت الدعوة للانتخابات مرة أخرى، وسار الناخبون على رؤوسهم تحت المطر خوفاً على أحذيتهم، نكون قد وصلنا إلى المنصة التي يعتليها الشيطان وهو يخرج لسانه للناخبين، ويضحك على عودتهم سالمين لمنصاتهم في السوشل ميديا، والتي تكون أولى تغريداتهم فيها هي شق عصا الطاعة على الممارسات البرلمانية وأحياناً الإساءة إلى الأشخاص، وبذلك يقوم المشاركون في العملية البرلمانية - سواء كانوا مرشحين أو ناخبين - بإيجاد مجتمع سياسي لا يطلب مشاركة أحد، ويحافظ على هذه السمة بصفة مستمرة وعلى الدوام.ولكن الإنسان كائن ينسى رغم أنفه، ففي كل مرة يرى «الكباب» من دون أن يرى «السيخ»!
@moh1alatwan