الإعاقة الجسدية لا تنبئ بأي شيء سوى أن هناك ظروفاً خاصة وقيوداً معينة تجعل صاحبها يقوم بصعوبة أثناء ممارسة الأنشطة اليومية الطبيعية، لذلك فصاحبها يحتاج إلى بيئة مهيأة لدمجه واحترافية في التعامل معه، ولكن لا علاقة للإعاقة الجسدية بالسلوك والقيم الناظمة لصاحبها.ولا شك أن البشرية تقدمت شوطاً كبيراً في مستوى صناعة الخطاب - على الأقل - الذي يدافع عن حقوق ذوي الإعاقة الجسدية، حتى وصلت للمسمى ذاته وأصبحوا ينادونهم أصحاب الهمم، رغم أن الكثير من ذوي الإعاقة رافضون لهذه التسمية. وتبقى مطالب ذوي الإعاقة أكبر من مجرد مميزات مادية ومشاركات دولية.إلى هنا يجب أن اتوقف لكي أشير بكلتا يديّ لما أريد الإشارة إليه، وهو الإعاقة الاجتماعية التي لا تؤثر في صعوبة أو سهولة ممارسة الأنشطة اليومية فقط، ولكنها تؤثر أيضاً في القيم والسلوك الناظمة لأصحابها.يوضح كتاب بعنوان «الإعاقة الاجتماعية» للدكتور مدحت أبو النصر، أن هناك فئات اجتماعية تعاني الإعاقة حيث فقدان القدرة على التوافق الاجتماعي مع بيئتهم ويعانون من بعض المشكلات في تفاعلاتهم الاجتماعية مع الآخرين.المعاقون اجتماعيا بسبب المجتمع ذاته أو بسبب غياب النظم والقوانين التي توفر الوقاية والحماية لهم أو بسبب ضعف آليات المشاركة المدنية والاقتصادية والسياسية، مما ينتج عنه استبعاد اجتماعي يؤدي بشكل أو بآخر إلى الحيرة في زمن المعلومات والعزلة في زمن التكتلات.لدينا قضايا اجتماعية عديدة تخص أشخاصاً ليسوا من المدمنين أو أطفال الشوارع، وليسوا من المتسولين أو نزلاء السجون، ولكنهم طبيعيون ويعيشون بيننا ويعانون من إعاقة اجتماعية متمثلة في قضية أو مشكلة.الإستهلاك، الطلاق، القضية الإسكانية، القروض، التجنيس، الصحة، التعليم، التركيبة السكانية...ألخ، لا أدري لماذا عندما نناقش قضية اجتماعية ما في الشأن العام نخوض في الأصول العائلية والمذاهب الدينية والخلفيات الثقافية ونقاط الاختلاف، نخوض في كل شيء سوى كونها قضية اجتماعية تحتاج حلولاً أو بدائل أو دعماً وتعزيزاً أو إعادة دمج وتشكيل.دوت قاعات مجلس الأمة بالتصفيق منذ التحرير من الغزو العراقي، وحتى إعلان مدينة الحرير، من دون أن نعرف بالتحديد هل كان الجمهور يصفق لحل القضايا الاجتماعية أم تأزيمها؟والصراع السياسي الذي كان يمارس في الدواوين الاجتماعية التي تنتج سياسة وتوافق اجتماعي، أصبح اليوم يمارس في وسائل التواصل السياسية التي تنتج أزمات اجتماعية، ودائماً يكون مجلس الأمة بؤرة الاهتمام، فيضرب رئيس الجلسة بالمطرقة لكي ينبه الناس إلى أن الاستهجان بالصوت أو الاستحسان بالتصفيق والتصفير ليس هذا موقعه، فيثور الجمهور ثم يعود لبيته وينقع قدميه في الماء الدافئ ويعطي بعض الملاحظات لأبنائه، وينتظر بتلهف أخبار تويتر أو عناوين الصحف التي ستبشره في الصباح بشيء مهم يخص قضيته.فتخرج عناوين الصحف خالية إلا من الإشارة إلى ارتفاع الأسعار، والهشتاق الخاص بقضيته قد أصبح في آخر القائمة، وينقع قدميه بالماء البارد هذه المرة من دون أن يعطي أبناءه بعض الملاحظات وهو يشاهد بعض الأعضاء على التلفاز وهم يوقعون بعض المعاملات الخاصة، ويضحكون وهم رافعون حواجبهم التي لامست قبة البرلمان، لدرجة أن أحدهم سقط وأصابه المغص من الضحك.ولأن الإنسان مخلوق سياسي رغم أنفه، سيظل يتابع الشأن السياسي ويعتقد أنه مشارك فيه عبر التصفيق.وفي 7 حزيران «يونيو»، أثبتت محلات الأحذية على قدراتها في حشد الجماهير والتعبئة للزبائن من أجل حذاء كان بسعر وبعد التنزيلات أصبح بسعر آخر، في ذلك الوقت كان المجتمع المدني قد حفر الأرض بيديه وأظافره من أجل أن يحضر عشرين شخصاً ندوة له.هنا تصبح الإعاقة الاجتماعية في أبهى صورها وتجلياتها.
@moh1alatwan