سئمت الشعوب العربية منذ زمن طويل هذا التكرار في خطابات التجمعات الرسمية العربية، كما سئمت من تكرار شكوى الضعف والخوَر الذي تعانيه الأمة، هذا السأم غير مستغرب نهائياً، لكن الغريب أن الأمة لم تسأم بعد من تكرار خطاب البطولات الوهمية والحماسة الفارغة لدى كثير من ثورييها، ففي خطاب السيد نصرالله وعد بالنصر القريب وبالمواجهة الكبرى مع العدو وبسحقه نهائياً، وأن أي اعتداء على إيران، فهذا يعني إبادة كل مصالح المعتدي، وأنهم قادرون وبأي وقت على صناعة الصواريخ الموجهة وغيرها من التهديدات، التي عادة ما يصفق لها الشارع العربي ويطرب لسماعها ويعدها انتصاراً على العدو!ما زالت الأمة مولعة بهذه الخطابات ومضامينها وتنتشي لسماع تلك العبارات والمصطلحات الثورية وما زالت الشعوب مسحورة بصورة ذاك الزعيم العربي أو قائد الحزب أو الثوري الذي يخرج أمام الجماهير منتشياً يستعرض قواه اللفظية ويجمع كل تعابير اللغة الدالة على القوة والنصر، لترتسم هذه الصورة في أذهان العرب على أن هذا القائد أو ذاك - الثوري - هو المخلّص وهو رمز الكرامة!وللمقارنة في عقليات إدارة الأزمات والتعامل مع القوى العالمية، يستغرب كل مراقب تلك العلاقات التي تجمع روسيا بأميركا، فبعد انهيار الاتحاد السوفياتي بكل قواه وجبروته وفقدانه تلك المكانة العالمية، لم تعش موسكو طويلاً في وهم الماضي والتاريخ، ولم تقف على جدار الذكريات لتذرف الدموع، بل تعاملت مع الوضع الجديد على أنها بالإمكان أن تبني نفسها وتحالفاتها لتحقق مصالحها، وهي روسيا وليست ذاك الاتحاد الذي انهار!أميركا ومعها أوروبا يفرضان عقوبات اقتصادية على روسيا منذ عام 2014، وبلا شك بين الطرفين مواضع خلاف كبيرة جداً، لم تتعامل موسكو مع هذه العقوبات على أنها «الاتحاد السوفياتي»، بل أعملت قواعد البرغماتية العملية، فراحت تبحث عن مصالحها وتناور وتتحرك بعيداً عن الخطابات والعنتريات اللفظية، ولهذا استطاعت روسيا - رغم كل ما تعانيه - أن تبني لها مكاناً جديداً في مراكز القوى العالمية بعيداً عن الاتحاد الذي انهار، هذه المكانة لم تأت من خطابات المناسبات بل من جودة اللعب ما بين جدران الخلافات والعقوبات وبين جسور اللقاءات والمصالح.السياسة هي أن تعرف كيف تتعامل مع الحواجز، وكيف تستغل الجسور وربما تبنيها وتهدم الأولى.هذه الثقافة... ثقافة تعدي الحواجز واستغلال الجسور سياسياً، هو ما لا تجيده ولا تعرفه كل الخطابات و المناهج والأحزاب الثورية في بلادنا، ولأن شعوبنا - وللأسف - مولعة بعمليات هدم الجسور والعويل والبكاء على حوائط الحواجز واستذكار الماضي، والغرق فيه... لهذا تستغل تلك المناهج الثورية هذا الولع وتلعب على وتره!

@lawyermodalsbti