في المنافسات الانتخابية والمواجهات البرلمانية يلجأ معظم السياسيين والنواب والمجاميع الانتخابية إلى الخطابات الشعبية، لتعزيز موقفهم وإضعاف الطرف الآخر. وهي منهجية سطحية مرتبطة بمظاهر وسلوكيات صورية يتيمة، تُعزل فيها المواقف البرلمانية عن بعضها البعض وعن المشهد السياسي العام. ولذلك غالباً ما تكون مضامينها مضلّلة. ولكنها في الوقت نفسه منهجية ناجعة في اقناع المجتمع، لبساطة واتساق مضامين رسائلها مع ثقافة ومصالح المجتمع. وقد يكون استشراء هذه المنهجية من أبرز أسباب ضعف كفاءة مجتمعنا في تقييم السياسيين.فعلى سبيل المثال، وفق المنهجية الشعبية، ينقسم النواب السابقون والحاليون إلى فئتين: نائب خدمات مؤيد للحكومة «انبطاحي»، ونائب مواقف مبدئي معارض للحكومة. وكما هو معلوم، عند مراجعة أسماء النواب الذين تم تصنيفهم كنواب مواقف ومبادئ، نجد بينهم الكثير من «الانبطاحيين» ولكن ليس للحكومة بل لحزب أو قطب - سياسي أو غير سياسي - يسعى لتحسين وضعه في الدولة أو يعمل من أجل تنمية موارده من الحكومة على حساب الصالح العام. ولكي لا أتهم جزافاً بأنني ضد المعارضة «الإصلاحية الرشيدة»، أسجل تقديري وإجلالي لنوابها، ومن بينهم النائب السابق المرحوم حمد الجوعان. في الجانب الحكومي، أجد أن وزير الإسكان الأسبق الدكتور عادل الصبيح هو أحد السياسيين الإصلاحيين، لأنه تصدى لمنهجية مستجوبيه الشعبية - في عام 2000 - بمنهجيته العلمية لإثبات عجز «الدولة» عن تطبيق المنظور الإسكاني الشعبي. حيث استند الصبيح على حقيقتين في تلك المرحلة: الأولى تردّي الاوضاع الاقتصادية للدولة، والثانية ارتفاع تكاليف البنية التحتية. كما أن الصبيح تبنى المنهجية ذاتها في تسويق منظوره الإسكاني البديل، الذي دعّمه بكم كبير من الأرقام والبيانات، وعزّزه بمجموعة من التحليلات العلمية لتلك البيانات. في المقابل، استعان المستجوبون بالتشكيك في ذمة الوزير المالية بمستندات لا يعتد بها، وحمّلوا الحكومة وحدها مسؤولية عدم تحقيق المنظور الإسكاني الشعبي. ومن أجل تسويق خطابهم الشعبي، عقدوا ثلاثة مهرجانات في ثلاث مناطق مهمة متباعدة، وضغطوا على النواب عبر رسائل أرسلت إليهم بالفاكس، وعبر مجاميع من الناخبين زاروا النواب في دواوينهم. وهنا لابد من الإشارة إلى أن الحركة الدستورية لجأت أيضا للمنهجية الشعبية لتحشيد التأييد للوزير الصبيح. فمن باب المثال، صرح النائب مبارك الدويلة لجريدة الشرق الأوسط «أن هناك فئة من النواب الذين لا يخرجون عن مشورة الحكومة، استغربت مشاركتهم في طلب طرح الثقة».في دور الانعقاد الحالي لمجلس الأمة، تقارير اللجنة التشريعية التي اطّلعت عليها تشير إلى أن اللجنة تتبع منهجية علمية في أداء عملها. حيث إن تقاريرها تتضمن آراء أطراف القضية المنظورة، وآراء مستشاري اللجنة وعدد من الخبراء القانونيين والدستوريين من داخل وخارج المجلس. ولأن هذه المنهجية أثبتت كفاءتها في التصدي للمنهجية الشعبية في قضايا سابقة، لذلك لجأ مؤيدو الاستجواب الأخير لرئيس الوزراء إلى مهاجمة اللجنة التشريعية منفردة وبشراسة بعد أن تمت إحالة الاستجواب إلى اللجنة. وأنا بدوري أتساءل: ألا يعلم هؤلاء أن قرار الإحالة جاء من طرف المجلس وليس اللجنة، وأن دور اللجنة استشاري، والقرار الأخير بشأن دستورية الاستجواب بيد المجلس؟ أم أن الغرض من الحملة هو منع اللجنة من الاستمرار في منهجيتها العلمية؟لذلك أناشد السياسيين الاصلاحيين التصدي للحملة المنهجية الشعبية المعادية للممارسات البرلمانية المعززة للمنهجية العلمية بالمجلس. وأدعوهم للاقتداء بالخبير الدستوري الدكتور عادل الخضاري الذي غرّد مستغربا استنكار البعض الإحالة الأخيرة الى التشريعية... «اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه».
abdnakhi@yahoo.com