عندما احتلّ «داعش» مناطق واسعة في سورية والعراق، جَذَبَ انتباه الشرق الأوسط والعالم إليه وأَبْعَدَهُما عن القضية الفلسطينية، حيث بات التركيز على استعادة الأراضي التي سيطر عليها التنظيم والقضاء عليه ومنْع انتشاره إلى الدول المجاورة. وحَمَلَ العديد من الفلسطينيين السلاحَ مع «داعش» ومع تنظيم «القاعدة» وخصوصاً في سورية وإلى حد أقلّ في العراق. ودعمتْ حينها القيادة السياسية لـ«حماس» حرب الناتو لتغيير النظام في سورية وكسبتْ عداوة الرئيس بشار الأسد الذي وقف إلى جانب القضية الفلسطينية وإلى جانب «حماس» عندما طلبتْ منه الإدارة الأميركية طرْدَها من بلاد الشام. إلا أنه خلال العاميْن الماضييْن، أعطى الرئيس دونالد ترامب وفريق عمله دفعةً كبيرة أعادت بريق القضية الفلسطينية إلى الواجهة. بل أكثر من ذلك، أظهرتْ سياسة أميركا الشرق أوسطية تنظيمات اتّحدتْ في ما بينها داخل فلسطين وبين دول متفرّقة حول قضية واحدة.فقد أعطتْ هدايا ترامب لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، من الجولان المحتلّ الى القدس، دفعةً هائلة من الإدرينالين إلى الجهات غير الحكومية وحركات المقاومة التي تتمتّع بدعمٍ مالي وعسكري من إيران. وهذه الجبهة الجديدة تمتدّ من لبنان إلى سورية والعراق وإيران واليمن وفلسطين.وشكّل العملُ التخريبي قبالة الفجيرة وقصْف الحوثيين لخط أنابيب نفطية رسائل واضحة المعالم. إذ ان هذين الخطين في الإمارات وخط «آرامكو» يستطيعان نقْل ملايين براميل النفط يومياً وهما مجهّزان، في السنوات المقبلة، للاستغناء عن مضيق هرمز إذا لزم الأمر ونشأتْ أزمة مثل التي نعيشها اليوم وتُهَدِّد فيها إيران بإغلاق المضيق. وهذان الهجومان يعبّران عن نقطة واحدة: لن يُصَدِّرَ أحدٌ النفط إذا مُنِعَت إيران من ذلك.بالإضافة إلى ذلك، فإن السياسةَ الإسرائيلية المتمثلة بخنْق غزة وحّدتْ أكثر من 12 فصيلاً في غرفةِ عملياتٍ واحدة، وجرى قصف أهداف لمنْع سياسة الخنْق التي يتّبعها نتنياهو. والنتيجة واحدة: كلما تَجاهلتْ أميركا وإدارتها ومعها إسرائيل حقوق دول الشرق الأوسط وحقّ أبنائها بالعودة إلى المنازل التي تَهجروا منها واستعادة أراضيهم فستصبح المجموعات غير الحكومية أقوى من الدول التي تتواجد فيها.وتستفيد إيران بشكل كبير من الأخطاء الأميركية - الإسرائيلية. وهذا من شأنه أن يزيد من نفوذها. وتالياً فهي في موقعٍ يسمح لها بالطلب من حلفائها غير النظاميين الوقوف معها في حالة الخطر.مما لا شك فيه أن أميركا تستفيد من عدم استقرار المنطقة. وتُساهِم الصراعات القبلية والمذهبية بإبقاء الدول منقسمة في ما بينها. وما فعلتْه الإدارة الأميركية، رداً على أعمال التخريب، هو إرسال حاملة طائرات لم تدْخل مضيق هرمز، وأظهرتْ إقلاعَ طائرات «بي 52» لمواجهة إيران. طبعاً لم تَحْدُث أيّ حرب. بل أكثر من ذلك، فقد أعرب وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو بالتصريح، أنه لم يعد هناك أي شرط للتفاوض مع إيران، وبالتالي فقد نسف شروطه الـ12 المُسْبقة. إلا أن طهران ترفض الاتفاق مع ترامب والجلوس معه وتطلب عودته عن انسحابه من الاتفاق النووي ورفْع الحظر الاقتصادي عليها. ومن الواضح أنها لا تريد إعطاء ترامب أي نقطة لمصلحته حتى نهاية ولايته الأولى العام 2020 لأنها تبدو اليوم أقوى بكثير من أي وقت وتبدو أميركا أضعف بكثير من إيران. لقد أعرب «حزب الله» عن استعداده لخوض حربٍ من أجل إيران وقَصْفِ إسرائيل. وضَرَبَ الحوثيون أهدافاً ليخدموا مصالح إيران. وأظهرتْ تنظيماتٌ عراقية قدْرتها على إيصال رسائل عسكرية. وفي غزة نشرتْ التنظيمات الفلسطينية أسلحةً جديدةً وأظهرت استعدادها لتنضمّ إلى جبهةٍ موحّدة في حالة الحرب. وبالتالي، حصلتْ التعبئة العامة لضرب أميركا وإسرائيل وحلفائهما. وهذا ما أدى إلى تَراجُع فرص الحرب إلى أَجَلٍ غير مسمى.اليوم، تملك أميركا وإسرائيل أسلحةً متطورةً، إلا أن خصومهما أيضاً يملكون أسلحةً فتاكةً - ولو بشكل أقلّ - وصواريخ دقيقة وأخرى موجّهة وطائرات من غير طيار مسلّحة، وهي كافية للحفاظ على توازن القوى.
خارجيات
إيران لن تعطي ترامب أوراقاً لمصلحته
02:33 ص