قرأت قصة لا أعلم الآن في أي كتاب قرأتها، كان رجل يسمى ابراهيم بن هاني إذا قرأ شعراً كسره وحطمه ومع ذلك كان يدعي أنه شاعر وناقد، فقال له أبواسحق: «لك أن تدعي العلم والنقد ولكن كيف تدعي الشعر وانت تنشده مكسوراً؟» فقال: «إني هكذا طبعت أن أقيم الشعر ناظماً واكسره ناشداً». فقال ابواسحق: «ما بعد هذا الكلام كلام».
أجل هناك طراز من الناس لا يسوغ فهم الكلام على الاطلاق كما قال ابواسحق لأنهم خارجون على المقاييس، وأي منطق من حس أو عقل يجدي ويثمر مع إنسان تأخذ بالحوار معه فإذا هو يثبت ويبرم، ثم ينفي وينقض ما أبرم، ثم يجمع بين النفي والاثبات في آن واحد يفعل كل ذلك على الجزم والقطع، فإذا حاسبه محاسب أو سأله سائل عن الحجة والدليل أطلق لسانه بحروف وألفاظ لا مدلول لها الا التناقض والتنافر تماماً كدليل ابراهيم بن هاني وقوله انه ينظم الشعر موروثاً بطبعه، وينشد مكسوراً ايضاً بطبعه، أو قول من قال، ولو بلسان الفعل والحال، أنه يجهل القراءة ولكنه يحسن جيداً فن الكتابة، وأنه مفكر متبحر بالعلوم والحياة والفكر ولكن دون أن يدركها وتمر بذهنه وتصوره.
وهذا الطراز من الناس الناقضين لكل قاعدة وقياس موجودون في كل زمان ومكان، وتصادفهم يومياً في مجالسنا ومنتدياتنا.
ومن قديم قالت الحكماء: «اعرف نفسك»... ولكن التعرف على النفس والوقوف على فضائلها ومثالبها أصعب من غزو الفضاء، ومن استطاع أن يعرف نفسه فهو ولا شك أعظم من يصل إلى المريخ، وما فوق المريخ، وبالتالي فلا يكون الإنسان إنساناً الا حين يثري قلبه بحب الناس وكل الناس، وحين يفكر بهمومهم ومشاكلهم تماماً كما يفكر بهمومه ومشاكله.
وفي نهاية الأمر إن الإنسان لا يريد أن يكون كوكباً ولا قديساً يأتي بالمعجزات، ولا ملاكاً يطير من سماء الى سماء، ولا جباراً طاغياً يتحكم بالملايين - هكذا يكشف الرد عن دخيلته من حيث لا يريد.
وبعد هذا وذاك فعلى العقلاء من هذا البلد أن يقولوا كلمة الحق بأقلامهم وألسنتهم وعلى كل حال فلو استرسلنا من هذا الباب لملئت عشرات الصفحات. اذ ان الخطأ في حسن الظن أحب إليّ من الصواب من سوء الظن.


علي غلوم محمد
كاتب كويتي
Ali_Gh93@hotmail.com