«يقوله اللي ما حضر حرب تشرين»، هذا شطر من قصيدة مشهورة ذائعة، وقد سرى هذا الشطر مثلاً بين الناس، ولهذه القصيدة قصة مشهورة نذكرها لا شرحاً لها بل إيماءً لما بعدها... في إحدى حروب جيوش الدول العربية ضد إسرائيل وقف جندي من أحد الجيوش العربية المشاركة أمام بنت فلسطينية لتصليح بعض ما أصاب بدلته العسكرية من شقوق، ولم تكن البنت على دراية كافية بأمور الخياطة، لأنه محل والدها فنحّاها جانباً ليقوم هو بإصلاح عيوب لبسه العسكري، وجلس على ماكينة الخياطة لينجز المهمة بسرعة لما وراءه من مهمات عسكرية. آنذاك رآه عسكري آخر من جيش دولة عربية أخرى - مشاركة أيضاً - جالساً على ماكينة الخياطة فاستهزأ به بقصيدة، وكأنه يومئ بأن آخر ما يجيده العسكريون من جيشكم فنّ الخياطة فقط! فردّ عليه هذا الجندي بقصيدة مفتخراً بأداء الجيش وسطوة «ربعه» وردّ عليه الاستهزاء باستهزاء وأن «فعايله» لا تعدو ان تكون «بهرجة» ومن ضمنها ذكر الشطر السابق «يقوله اللي ما حضر حرب تشرين»! وكانت هذه القصة بقصيدتها مثالاً للحروب الكلامية بيننا على مدى السنين.الواقعة... القصة... القصيدتان... ما قاله هؤلاء... كل هزائمنا العسكرية... كل هذا لا يهم الآن، المهم أن ما يعيشه المجتمع الكويتي اليوم سياسياً واجتماعياً يتشابه تماماً مع حكاية هذه القصة، وما ذكره أصحابها من «شتايم» ضد بعض مبطنة بأسلوب شعري! وظاهر الحال أن ثقافتنا منذ فترة ليست بالقصيرة لا تخرج أبداً عما دار بين هذين العسكريين!اليوم المجتمع الكويتي يعيش هذه القصة بما دار فيها وبكامل تفاصيلها، يختلف السياسيون على فكر ونختلف على تخوين، التجريح والاستهزاء هما اللغة السائدة حتى في العمل السياسي! تركنا مهمات الأمور وانشغلنا أو أشغلونا بالتوافه! لا تجد اثنين يختلفان في رأي سياسي أو اقتصادي أو قانوني إلا كان الاستهزاء وربما الشتم هو ما ينتهي به الحوار بينهما!في عمق ثقافتنا العربية المشكلة أخلاقية فكرية أكثر منها سياسية... أن تختلف مع غيرك هذا شيء طبيعي، غير الطبيعي أن تستخدم أساليب الاستهزاء والشتيمة ضده! أن تكون قاسياً في نقدك لأي فكر، هذا طبيعي، غير الطبيعي أن تتحول هذه القسوة في النقد إلى تجريح! أن تكتب، فهذا حقك، ما ليس من حقك أن تكتب في ما لا تعرف! المشكلة ليست في الاختلاف أبداً، المشكلة في فهمنا للخلاف، في أخلاقنا، في فكرنا المريض الذي لم يعرف إلا سياسة الإلغاء والإقصاء لكل من خالفه!

@ LawyerModalsabti