قبل سنوات عديدة زاملت مستشاراً مصرياً أخاً وصديقاً، فضلاً عن زمالة العمل التي جمعتنا، كنا نعمل معاً على بعض المطالبات الخاصة بصناديق الزمالة لبعض الشركات الحكومية، وتفتق ذهنه عن عمل مشابه لأبناء مدينته ومركزه في مصر «أسيوط» من المغتربين للعمل هنا في الكويت، وفعلاً قام بكتابة نظام أساسي لرابطة تكافلية تجمع أبناء منطقته العاملين في الكويت، بحيث يكون هناك اشتراك شهري يودع في صندوق ويستفيد منه كل محتاج من المشتركين وفقا للنظام الأساسي، سواء في حالة الإصابة والعجز أو الوفاة في الغربة أو السفر القسري أو غيرها من الحالات التي نظمها النظام الأساسي.اشتراك هذه الرابطة لأبنائها نصف دينار شهريا! بواقع ستة دنانير في السنة! لأن بعض أبناء الرابطة من العاملين البسطاء - وحتى لا يرهقهم الاشتراك الشهري - بينما كثير منهم يشارك بأضعاف هذا المبلغ، لأنهم أصحاب وظائف مرموقة أو لهم شركات عاملة في الكويت، ولأن أعدادهم كبيرة أيضاً، فهذا الاشتراك مهما كان بسيطاً فسيؤدي في النهاية إلى نتائج قد تكون مُبهرة.سألت صاحبي قبل فترة عما آل إليه عمل رابطتهم تلك؟ فأخبرني أنهم فضلاً عما ذكرنا سلفاً من معونات للمحتاجين هنا، فإنهم يقومون سنوياً بسداد رسوم الطلبة المتعثرين مادياً في مدينتهم في مصر من اشتراكات هذه الرابطة، كما أنهم يقومون بالمساعدة في شراء بعض المعدات الطبية التي تحتاجها المراكز الصحية هناك لمساعدة الأهالي، ويقومون بإرسال مبالغ لرعاية بعض الأيتام في محافظتهم، وتوزيع معونات رمضان للأسر المتعففة، وهذا كله إضافة إلى أنشطتهم الاجتماعية في الكويت من أداء مناسك العمرة لأبناء الرابطة، أو غيرها من الأنشطة التي تعود بالنفع عليهم جميعا، وكل هذه الأنشطة والتبرعات منضبطة بالنظام الأساسي الخاص بهم وبإشراف إدارتهم.هذا التكافل الاجتماعي، القائم على المبادرات الشخصية للأفراد وتعاونهم وتعاضدهم نحو القيام بأعمال الغوث لأهلهم وأقاربهم وسد حاجات المعوزين من قبل القادرين، هو المعنى الحقيقي للمجتمع الإنساني، الذي يقوم على تلمس الحاجات لا الانفراد بكل شيء، ويقوم على أساس أننا مسؤولون عن بعضنا البعض!في الحديث الشريف عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إن الأشعريين إذا أرملوا في الغزو أو قلّ طعامهم في المدينة جمعوا ما كان عندهم في ثوب واحد، ثم اقتسموه بينهم في إناء واحد بالسويّة، فهم مني وأنا منهم»، والأشعريون قبيلة من قبائل العرب، ومعنى إذا أرملوا أي افتقروا وقلّت مواردهم، وفي عبارة «فهم مني وأنا منهم»، مدح يغني عن شرح أفضلية هذه الأمثلة في التكافل، فيكفيهم أن الرسول انتسب لهم، ونسبهم لنفسه مدحاً لهم على فعلهم هذا.تذكرت قصة صديقي ورابطتهم وإنجازاتهم، وأنا أتابع تفاعل إعلامنا العربي مع مثل هذه المشاهدات المجتمعية المنتشرة عندنا، مقارنة بتفاعله مع خبر طلاق فنانة أو زواج مشهورة أو فيديو لأحدهم أو غيره من الأخبار، التي تلقى رواجاً غير معقول في إعلامنا، استرجعت هذه المقارنة المخزية المحبطة، وأنا أشاهد أحد مقدمي البرامج المشهورين يُبدي فرحه الشديد بعدد المشاهدات الكبير الذي حققه لقاؤه مع «طبيب الغلابة» الدكتور محمد مشالي، الذي أفنى عمره لمساعدة المحتاجين طبياً، هذا اللقاء أبكاني فعلاً واستصغرت فيه نفسي والعالم أجمع، لكن المحزن أن عدد مشاهدات هذا اللقاء - الذي أفرح مجرى اللقاء - لا يوازي أبداً عدد أقل مشاهدات لأي فيديو تافه لمشهور في مجتمعاتنا العربية!التفاهة «صناعة» وسلوك نحن جميعاً مشتركون فيه، أمثلة كهذه الرابطة تحتاج إلى تسليط الأضواء عليها وغيرها الكثير، لكننا مشغولون بتفاهاتنا!

@lawyermodalsbti