في محاضرة له في العاصمة الأميركية - قبل ثلاث سنوات في نادي الصحافة الوطني، وهو منظمة مهنية بارزة ومركز أعمال للصحافيين والعاملين في مجال تقصي ونشر الأخبار - تحدث الكاتب اليساري في صحيفة هآرتس اليومية الإسرائيلية السيد جدعون ليفي، تحدّث منتقدا تقوقع المجتمع الإسرائيلي عن الواقع الدولي، وتجاهل الدولة الإسرائيلية الانتقادات الموجه إليها على خلفية انتهاكاتها المتكررة للقوانين الدولية. وأوضح أن الاسرائيليين يعتقدون أن الخمسة ملايين يهودي في إسرائيلي أعْلم وأفْقه بحقيقة الأمور من الستة مليار إنسان في العالم، وأنه يحق لهم تجاهل القوانين والمؤسسات الدولية لأنهم حالة خاصة واستثنائية.في تلك المحاضرة، صرّح السيد ليفي أن المجتمع الإسرائيلي حوط نفسه بالجدران الملموسة والذهنية، فأصبح يعيش مرتاح الضمير مع واقعه البربري. وأشار إلى أن هناك ثلاثة معتقدات مجتمعية تدعم هذه الجدران. المعتقد الأول هو أنه شعب الله المختار، والثاني أنه المظلوم الوحيد من بين المجتمعات المتمركزة في المنطقة، والثالث أن أعداءه مجرّدون من الإنسانية؛ ويرى السيد ليفي أن المعتقد الأخير هو الأخطر من بين الثلاثة. واستعرض في المحاضر أمثلة عدة على راحة ضمير المجتمع الإسرائيلي تجاه سلوكه المتطرف ضد الفلسطينيين، وكان من بينها الحرب على غزة في سنة 2014، حيث كانت الشواطئ حينها مكتظة بالإسرائيليين الذين كانوا يستمتعون برمال الشاطئ ومياه البحر، ويفرحون بمرور طائرات الهليكوبتر العسكرية من فوقهم وهي متجهة إلى قطاع غزة لقصفه، رغم تزايد التقارير عن ارتفاع حصيلة الضحايا بين المدنيين. وأشار إلى أن المجتمع الإسرائيلي ثار عليه واضطرت الحكومة الإسرائيلية إلى توفير حماية شخصية له، بعد أن اعترض على تلك الحرب من خلال مقال صحافي كتبه حول المسؤولية القانونية على قائدي تلك الطائرات عن الوفيات بين المدنيين الفلسطينيين.ما يهمني في محاضرة السيد ليفي، هو أن نتعظ من الحالة الإسرائيلية ونتفادى السقوط إليها. فنحن كمجتمعات شرق أوسطية نتعرّض أيضا - ولكن بدرجات أقل - إلى حملات تستهدف غرس معتقدات تؤدي إلى تفاقم التقوقع والتطرّف لدينا، كتلك المعتقدات المجتمعية الإسرائيلية الثلاثة، وبالأخص المعتقد الثالث المعني بتجريد الآخر من القيم الإنسانية تمهيدا لكراهيته. الشواهد على ما ادعو متعددة، ومنها الخطاب الإعلامي الذي ينشط عادة بعد كل جريمة إرهابية، مهما كانت هوية الجناة. الخطاب الذي يخلي مسؤولية مجتمعاتنا عن تلك الجرائم وإن كانت بتمويل منها وبأيدي شركاء لنا في أوطاننا. الخطاب الذي يحرص فقط على إظهار الجناة كضحايا لضباط أجهزة استخباراتية غربية. أنا لا أنفي دور تلك الأجهزة، ولكنني أحذر من خطورة إخلاء مسؤولية مجتمعاتنا عن تلك الجرائم، وتبرير تقاعسها عن التصدي لها ومنع تكرارها. ومن جهة أخرى، هناك حضور واضح في مجتمعاتنا لخطاب اعلامي مفاده أن الدول المسيحية المتحضرة تضخم الجرائم التي يرتكبها مسلمون، في حين أنها تتجاهل الجرائم الإرهابية التي يرتكبها متطرفون مسيحيون يمينيون. فعلى سبيل المثال، نجد أن هذا الخطاب ظهر فور وصول الأخبار الأولية من نيوزيلندا حول مجزرة المسجدين في يوم الجمعة الماضي. حيث تعالت أصوات البعض من حولنا مستنكرة ازدواجية الدول المسيحية المتقدمة، بحجة أنها تتعامل بفتور مع تلك الجريمة لكون الجاني مسيحياً أبيض. لا أنفي وجود مسؤولين يمينيين متطرفين في تلك الدول، ولكن ردود الفعل الرسمية والشعبية في كل من نيوزيلندا وأستراليا ألجمت اليمينيين وأسكتت تلك الأصوات. حيث وصفت رئيسة وزراء نيوزيلندا جاسيندا أردرن ذلك اليوم باليوم الأسود، وزارت أحد المراكز الإسلامية مرتدية الحجاب لتعزي أهالي الضحايا والدموع تتقاطر من عينيها، وتعهدت بتعديل القوانين الخاصة بامتلاك الأسلحة. وكذلك وضع مواطنون نيوزيلنديون الزهور ورسائل التضامن مع الضحايا وأسرهم عند المسجدين وتجمعوا في حدائق عامة حاملين شعارات رافضة الكراهية ومستنكرة الهجوم. وفي استراليا، وقع خلال ساعات قليلة أكثر من 900 ألف مواطن على عريضة تطالب بطرد السيناتور فرايزر أنينغ من البرلمان، بعد تصريحاته العنصرية المعادية للإسلام عقب الهجوم الإرهابي. لا شك أن الهجوم على المسجدين مؤشر واضح على نمو فكر القوميين البيض اليميني المتطرف، ولا أستبعد أن تتكرر جرائمهم الارهابية في مواقع أخرى، وبكل تأكيد تقوقعنا عن المحيط الاممي - عبر خطابات كراهية - لن يعالج الوضع الخطير، فالبشرية اليوم أحوج ما تكون إلى هدم جدران الكراهية واستبدالها بجسور التعاون والتكامل في محاربة الإرهاب تحت شعار «الإرهاب لا دين له»... «اللهم أرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه».abdnakhi@yahoo.com
مقالات
رؤية ورأي
الإرهاب لا دين له
12:55 م