الوطنية كلمة قد يصعب تعريف معناها وتحديد ماهيتها، لكنها - رغم هذا - قيمة مهمة جدا لأي شعب، ومن دونها يختل ميزان الوطن ذاته، وحتى وإن كان يصعب علينا تعريف الوطنية لكنها بالتأكيد ليست هذا التهريج الذي نمارسه خلال هذه المناسبات وندعي بهتانا أنه «وطنية»، هذا الإسفاف - من دون ذكر تفاصيله - لا علاقة له بالوطنية أبداً، كما أن هذه الدموع التي تذرف أثناء سماع الأغاني الوطنية، أو تلك المشاعر التي تجيش في صدور البعض لا علاقة لها بالوطنية أيضاً، هذه مجرد «رابط» بين شعور معين وأغنية تحيي هذا الشعور في أحاسيس بعض الناس فقط.الوطنية سلوك، ومجموعة صفات وممارسات أخلاقية يومية يلتزم بها الناس احتراماً لبعضهم لا خوفاً من القانون فقط.إذا أردت أن تعرف مدى وطنية شعب لا تنظر له من خلال «المسيرات»، أو أثناء غناء الأغاني والأهازيج الوطنية كيف يرفعون الأعلام ويبكون؟ أبداً لا تنظر إليهم في هذه المواقف... انظر إليهم في الشارع أثناء قيادة سياراتهم، هل يحترم كل شخص دوره في الطريق وفتحات الالتفاف، أم يتعدى الأشطر منهم على البقية؟ هل يلتزمون بقواعد المرور احتراماً لمرتادي الطريق أم خوفاً من كاميرا التصوير حين يمرون عليها، ثم يعودون لسلوكهم المخالف بعد مفارقة عيونها المراقبة؟ انظر إلى أي شعب في الشارع وفي سلوكه اليومي في كل مكان، لتعرف مقدار الوطنية عنده لأن الوطنية سلوك!معيار الوطنية يتحدد في المحافظة على المال العام للدولة، وعلى المرافق العامة لها، وعلى النظافة العامة، وعلى احترام الشخص لشركائه في الحياة من إنسان وحيوان وشجر.ثم... لماذا كل هذه الأغاني الوطنية والشعارات، إنما تتحدث عن فداء الوطن في الحرب؟ ولماذا تنحصر صور الوطنية في البذل والفداء في الأزمات والحروب شعراً وغناء؟الوطن يحتاج لمواطنيه في السلم أكثر ما يحتاجهم في الحرب، الحروب لها الجيوش، في السلم بناء وتنمية وعلم وثقافة وتطور واحترام وحياة يحس بطعم راحتها من يعيشها، في هذه الأشياء يحتاج الوطن لأفراده، هنا تكمن الوطنية لا في أشعار الفداء والحرب، الحروب لا يدخلها الوطن إلا نادراً لكنه يخوض حرب التنمية كل يوم!عندما كتب عباس محمود العقاد عن تعريف الوطنية قديماً، كان النزاع وقتها بين مفهوم الوطن الصغير والوطن العربي أو الإسلامي الكبير، لأن آمال الأمة وقتها كانت منعقدة على «الكبير» الذي تلاشى، إلا أوطان صغيرة علها تسلم على استقرارها، أما اليوم فلا يجب أن يتعدى مفهوم أي عربي في الوطنية عن صفات الأخلاق والسلوك التي تؤثم السرقة عموماً... سرقة مال الدولة وغيرها وتؤثم الغش والكذب، وتستلزم احترام بقية الناس واتباع القانون والنظام... هذه هي وطنية هذه المرحلة وما عداها هراء!@lawyermodalsbti
مقالات
واضح
الوطنية سلوك!
08:56 م