من حيث المبدأ وسلامة المنطق، كان مستشارو باراك أوباما مصيبين إلى حدّ كبير. اعتبر هؤلاء في أثناء حلقات دراسية وندوات ومؤتمرات انعقدت في سبتمبر وأكتوبر الماضيين، في موازاة الحملة الانتخابية، أن ما أخرج السياسة الأميركية عن السكة القويمة، وجعلها تدخل في متاهات، الانتقال من أفغانستان إلى العراق «قبل الانتهاء من المهمة». كانوا يعنون بذلك أن إدارة بوش الابن شنت حرباً على العراق وركّزت عليه قبل السيطرة على كل أفغانستان، والانتهاء من «طالبان» و «القاعدة». ما العمل إذاً، هل يكفي تعزيز القوات الأميركية في أفغانستان عن طريق زيادة عددها كي تعود الأمور إلى نصابها وتعود السياسة الأميركية إلى السكّة؟
كان ابقاء «الجمهوري» روبرت غيتس في وزارة الدفاع دليلاً على أنّ أدارة أوباما لم تأت بهدف الانقلاب على تركة إدارة بوش الابن خلافاً، لما أوحت به الخطب التي ألقيت خلال الحملة الانتخابية للمرشح «الديموقراطي» التي اعتمدت شعار «التغيير». تبين مرة أخرى، أن الخطب التي تلقى في الانتخابات شيء وممارسة السلطة شيء آخر. وإذا كان الابقاء على غيتس في البنتاغون يدل على شيء، فانّه يدل على أن التغيير سيحصل في ظل الاستمرارية. لم يعد وارداً اتخاذ قرارات دراماتيكية في شأن العراق لتنفيذ الوعود الانتخابية لأوباما. ولذلك سيكون بحث في كيفية زيادة الوجود العسكري في أفغانستان من دون التفريط بما تحقق في العراق خلال العام 2008 حين طرأ تحسّن نسبي على الوضع الأمني. وحدها الأيام ستتكفل بكشف ما إذا كان هذا التحسن حقيقياً أم أنه من النوع الهش.
في أي حال من الأحوال، ستواجه إدارة أوباما مع تسلمها مهماتها في العشرين من يناير المقبل سلسلة من التحديات في مقدمها أفغانستان، ومعها بالطبع باكستان التي تحولت إلى رجل المنطقة المريض. كيف ستعالج المشكلة التي استخفت بها إدارة بوش الابن في العام 2001 والتي يتبين كلّ يوم أنها أكبر بكثير مما يعتقد، إضافة، بالطبع، إلى أنها تهدد الاستقرار في دول عدة في المنطقة تتجاوز باكستان وأفغانستان، على رأسها الهند التي لا تزال تعتبر أكبر ديموقراطية في العالم؟
لا مفر من الاشارة بادئ ذي بدء إلى أن تقارير غربية عدة صادرة عن شخصيات عسكرية ومؤسسات محترمة، تؤكد أن «طالبان» تحقق تقدماً على كل المستويات في أفغانستان في وقت عززت قواعدها الخلفية في منطقة القبائل في باكستان. يقول تقرير أصدره قبل أيّام «المجلس الدولي للأمن والتنمية» وهي هيئة ذات صدقية، أن «طالبان» باتت تمتلك «وجوداً دائماً» على مساحة تساوي نحو ثلاثة أرباع مساحة أفغانستان. قبل عام، كان هذا الوجود مقتصراً على نصف مساحة البلد. وتؤكد أن في استطاعة مقاتلي «طالبان» التسلل إلى كابول متى شاؤوا ذلك، وهو ما تنفيه السلطات في العاصمة. أكثر من ذلك، يتحكم مقاتلو «طالبان» بثلاثة من أربعة مخارج تربط العاصمة بالمناطق المحيطة بها! ويخلص التقرير إلى أن ما حصل على الأرض في غضون عام يشير إلى أن الاستراتيجيات السياسية والعسكرية والاقتصادية لـ «طالبان» كانت أكثر نجاحاً من استراتيجيات الولايات المتحدة، وحلفائها الغربيين في حلف الأطلسي الذين باتوا يعتقدون، في معظمهم، أن حرب أفغانستان لا يمكن الانتصار فيها. هناك نحو ثلاثة وثلاثين ألف جندي أميركي في أفغانستان حالياً. وهناك سعي إلى زيادة العدد، لكن الحاجة تبدو أكثر من أي وقت إلى استراتيجيات جديدة. في النهاية، كانت حرب أفغانستان من بين الأسباب التي أدت إلى انهيار الاتحاد السوفياتي الذي كان لديه في مرحلة ما، في الثمانينات من القرن الماضي، ما يزيد على مئة وخمسين ألف جندي في هذا البلد الجار الفقير والمتوحش الذي حاول اخضاعه. لم يتعلّم الأميركيون شيئاً من تجربة السوفيات على الرغم من أنهم كانوا وراء مواجهة احتلالهم للبلد وعرفوا كيف يغرقونهم في وحوله. استخدم الأميركيون قبائل البشتون خصوصاً في حربهم غير المباشرة على السوفيات. كانوا أول من أدرك أهمية سلاح التجييش الديني في تلك الحرب، لكنهم أدركوا خصوصاً عمق العلاقة بين البشتون في أفغانستان والبشتون في باكستان وأن الربط القبلي بينهم يتجاوز الولاء للدولة والحدود «المصطنعة» بين باكستان وأفغانستان. «طالبان» لم تكن في نهاية المطاف سوى أداة من صنع جهاز الاستخبارات العسكري الباكستاني المستقل عن الدولة، وقد شارك بعض العرب في عملية تمويل خلق «الحركة» التي سقطت في مرحلة معينة بين يدي أسامة بن لادن الابن الشرعي للأجهزة الأميركية وغير الأميركية، وكل من شارك في الحرب الأفغانية الأولى تحت شعار «الجهاد».
يبدو واضحاً انطلاقاً مما تقدّم أن المسألة ليست مرتبطة بزيادة القوات الأميركية في أفغانستان بمقدار ما أن الحاجة إلى مقاربة مختلفة تأخذ في الاعتبار قبائل البشتون وكيفية استمالتها عبر اشراكها بالسلطة فعلاً وليس عبر حامد كرزاي، البشتوني بالاسم فقط. هذا من جهة. من جهة أخرى، فإن هذه الاستمالة لن تؤدي إلى النتائج المرجوة من دون تحالف أوسع يساهم في تطويق أفغانستان ويضم، بين من يضم، الولايات المتحدة وحلفاءها وروسيا والهند وحتى إيران، إيران التي لديها مصلحة في العمليات العسكرية التي تشنها «طالبان» على الأميركيين في حين تعارض استيلاءها على السلطة في كابول مجدداً. كانت إيران شريكاً في الحرب الأميركية على أفغانستان في العام 2001 مثلما كانت شريكاً في الحرب على العراق في 2003. يمكن لأفغانستان أن توفر، في حال اعتماد الولايات المتحدة المقاربة المختلفة مدخلاً للأميركيين للدخول في نوع من الحوار مع طهران وموسكو، تحت شعار أن أيام التفرد في خوض الحروب الكبيرة قد ولّى.
خيرالله خيرلله
كاتب وصحافي لبناني مقيم في لندن
كان ابقاء «الجمهوري» روبرت غيتس في وزارة الدفاع دليلاً على أنّ أدارة أوباما لم تأت بهدف الانقلاب على تركة إدارة بوش الابن خلافاً، لما أوحت به الخطب التي ألقيت خلال الحملة الانتخابية للمرشح «الديموقراطي» التي اعتمدت شعار «التغيير». تبين مرة أخرى، أن الخطب التي تلقى في الانتخابات شيء وممارسة السلطة شيء آخر. وإذا كان الابقاء على غيتس في البنتاغون يدل على شيء، فانّه يدل على أن التغيير سيحصل في ظل الاستمرارية. لم يعد وارداً اتخاذ قرارات دراماتيكية في شأن العراق لتنفيذ الوعود الانتخابية لأوباما. ولذلك سيكون بحث في كيفية زيادة الوجود العسكري في أفغانستان من دون التفريط بما تحقق في العراق خلال العام 2008 حين طرأ تحسّن نسبي على الوضع الأمني. وحدها الأيام ستتكفل بكشف ما إذا كان هذا التحسن حقيقياً أم أنه من النوع الهش.
في أي حال من الأحوال، ستواجه إدارة أوباما مع تسلمها مهماتها في العشرين من يناير المقبل سلسلة من التحديات في مقدمها أفغانستان، ومعها بالطبع باكستان التي تحولت إلى رجل المنطقة المريض. كيف ستعالج المشكلة التي استخفت بها إدارة بوش الابن في العام 2001 والتي يتبين كلّ يوم أنها أكبر بكثير مما يعتقد، إضافة، بالطبع، إلى أنها تهدد الاستقرار في دول عدة في المنطقة تتجاوز باكستان وأفغانستان، على رأسها الهند التي لا تزال تعتبر أكبر ديموقراطية في العالم؟
لا مفر من الاشارة بادئ ذي بدء إلى أن تقارير غربية عدة صادرة عن شخصيات عسكرية ومؤسسات محترمة، تؤكد أن «طالبان» تحقق تقدماً على كل المستويات في أفغانستان في وقت عززت قواعدها الخلفية في منطقة القبائل في باكستان. يقول تقرير أصدره قبل أيّام «المجلس الدولي للأمن والتنمية» وهي هيئة ذات صدقية، أن «طالبان» باتت تمتلك «وجوداً دائماً» على مساحة تساوي نحو ثلاثة أرباع مساحة أفغانستان. قبل عام، كان هذا الوجود مقتصراً على نصف مساحة البلد. وتؤكد أن في استطاعة مقاتلي «طالبان» التسلل إلى كابول متى شاؤوا ذلك، وهو ما تنفيه السلطات في العاصمة. أكثر من ذلك، يتحكم مقاتلو «طالبان» بثلاثة من أربعة مخارج تربط العاصمة بالمناطق المحيطة بها! ويخلص التقرير إلى أن ما حصل على الأرض في غضون عام يشير إلى أن الاستراتيجيات السياسية والعسكرية والاقتصادية لـ «طالبان» كانت أكثر نجاحاً من استراتيجيات الولايات المتحدة، وحلفائها الغربيين في حلف الأطلسي الذين باتوا يعتقدون، في معظمهم، أن حرب أفغانستان لا يمكن الانتصار فيها. هناك نحو ثلاثة وثلاثين ألف جندي أميركي في أفغانستان حالياً. وهناك سعي إلى زيادة العدد، لكن الحاجة تبدو أكثر من أي وقت إلى استراتيجيات جديدة. في النهاية، كانت حرب أفغانستان من بين الأسباب التي أدت إلى انهيار الاتحاد السوفياتي الذي كان لديه في مرحلة ما، في الثمانينات من القرن الماضي، ما يزيد على مئة وخمسين ألف جندي في هذا البلد الجار الفقير والمتوحش الذي حاول اخضاعه. لم يتعلّم الأميركيون شيئاً من تجربة السوفيات على الرغم من أنهم كانوا وراء مواجهة احتلالهم للبلد وعرفوا كيف يغرقونهم في وحوله. استخدم الأميركيون قبائل البشتون خصوصاً في حربهم غير المباشرة على السوفيات. كانوا أول من أدرك أهمية سلاح التجييش الديني في تلك الحرب، لكنهم أدركوا خصوصاً عمق العلاقة بين البشتون في أفغانستان والبشتون في باكستان وأن الربط القبلي بينهم يتجاوز الولاء للدولة والحدود «المصطنعة» بين باكستان وأفغانستان. «طالبان» لم تكن في نهاية المطاف سوى أداة من صنع جهاز الاستخبارات العسكري الباكستاني المستقل عن الدولة، وقد شارك بعض العرب في عملية تمويل خلق «الحركة» التي سقطت في مرحلة معينة بين يدي أسامة بن لادن الابن الشرعي للأجهزة الأميركية وغير الأميركية، وكل من شارك في الحرب الأفغانية الأولى تحت شعار «الجهاد».
يبدو واضحاً انطلاقاً مما تقدّم أن المسألة ليست مرتبطة بزيادة القوات الأميركية في أفغانستان بمقدار ما أن الحاجة إلى مقاربة مختلفة تأخذ في الاعتبار قبائل البشتون وكيفية استمالتها عبر اشراكها بالسلطة فعلاً وليس عبر حامد كرزاي، البشتوني بالاسم فقط. هذا من جهة. من جهة أخرى، فإن هذه الاستمالة لن تؤدي إلى النتائج المرجوة من دون تحالف أوسع يساهم في تطويق أفغانستان ويضم، بين من يضم، الولايات المتحدة وحلفاءها وروسيا والهند وحتى إيران، إيران التي لديها مصلحة في العمليات العسكرية التي تشنها «طالبان» على الأميركيين في حين تعارض استيلاءها على السلطة في كابول مجدداً. كانت إيران شريكاً في الحرب الأميركية على أفغانستان في العام 2001 مثلما كانت شريكاً في الحرب على العراق في 2003. يمكن لأفغانستان أن توفر، في حال اعتماد الولايات المتحدة المقاربة المختلفة مدخلاً للأميركيين للدخول في نوع من الحوار مع طهران وموسكو، تحت شعار أن أيام التفرد في خوض الحروب الكبيرة قد ولّى.
خيرالله خيرلله
كاتب وصحافي لبناني مقيم في لندن