استجابة لطلب عدد من الأكاديميين، سأستعرض في هذا المقال رؤيتي للتطوير «المرحلي» في أحد ملفات مؤسسات التعليم العالي المحلية، وتحديداً ملف لوائح الترقية الأكاديمية، كبوابة لإصلاح جزئي كمقدمة نحو رؤية أشمل استعرضتها في مقال سابق، حول تطوير مفهوم ونظرة مؤسسات التعليم العالي إلى عضو هيئة التدريس والمهام المطلوبة منه، لتكون مقاربة لتلك في المؤسسات البريطانية المناظرة، حتى تتمكّن مؤسساتنا الأكاديمية من تنمية سعتها وقدرتها في تلبية احتياجات عملائها: الطلبة، والأكاديميين، والمجتمع، وسوق العمل، ومؤسسات القطاعين العام والخاص.تُنظّم العلاقة بين المؤسسة الأكاديمية وعملائها من خلال مجموعة من القوانين واللوائح ومذكرات التفاهم والعقود، فضلاً عن مدونات الأخلاقيات والسلوك المهني. والمؤسسات الأكاديمية المرموقة هي التي نجحت في تنمية علاقتها مع عملائها إلى مستوى الشراكة التي تراعي مصالح عملائها، وتحفّزهم على المشاركة والتفاني في تنفيذ رسالة المؤسسة الأكاديمية وتحقيق رؤيتها وأهدافها. تعتبر لوائح الترقيات الأكاديمية من بين أدوات تنظيم العلاقة بين الأكاديميين ومؤسساتهم، وهي من بين الأشد حاجة للتنقيح مقارنة بالأدوات التنظيمية الأخرى. حيث إن لوائح الترقيات الحالية تعاني من قصور - بدرجات متفاوتة - في تقييم كفاءة أداء الأكاديمي لمهامه التدريسية (كتدريس المقررات وتطوير واستحداث البرامج والمناهج الأكاديمية) بالرغم من أهميتها الحالية، نظراً لوجود رؤية تنموية طموحة جداً، تتطلب طفرة في كفاءة خريجي التعليم العالي، ولكنها رؤية استحدثت بوجود هوّة متفاقمة بين مخرجات التعليم العالي وحاجة سوق العمل.بعض لوائح الترقيات الأكاديمية تختزل قياس كفاءة أعضاء هيئة التدريس في أداء مهامهم التدريسية من خلال نتائج تقييم الطلبة لأداء أساتذتهم، رغم العلم المسبق بعدم صلاحية تقييم الطلبة. فغالبية الطلبة الكويتيون يعتبرون مشاركتهم في التقييم خدمة لأستاذهم ومساعدة له في ترقيته الأكاديمية، وليس كوسيلة لمساعدته على معرفة جوانب ضعفه وقوته. فهم أساساً غير راغبون في التعلم بقدر اهتمامهم بالحصول على شهادة أكاديمية تفتح لهم أبواب التوظيف براتب مناسب. حتى بعض المتفوقون منهم، تجدهم حريصون في المقام الأول على كسب الدرجات العالية وليس على اكتساب المعارف والمهارات. وهذه نتيجة طبيعية لأزمة البطالة المقنعة في القطاعين الحكومي والخاص. حيث سوق العمل لا يحتاج إلى مهارات عالية لدى الخريجيين الجدّد.لمعالجة هذه الاشكالية، اقترح أن تنقّح لوائح الترقيات الأكاديمية، بحيث يلغى شرط حصول أو اجتياز عضو هيئة التدريس درجة معينة في نتائج تقييم الطلبة لأدائه التدريسي داخل الفصل، وتكتفي اللائحة المنقحة بإلزامه بتقديم طلب تقييم أدائه بصورة مستمرة في كل فصل دراسي، من دون الالتفات إلى نتيجة التقييم. لأن عزل نتيجة التقييم عن ترقية عضو هيئة التدريس سوف يعزز مصداقية تقييم الطلبة. وكذلك يفترض أن تلزم اللائحة عضو هيئة التدريس بتقديم تقرير يفسّر (وليس يبرّر) فيه المتوسط الإحصائي، الذي يحصل عليه في كل محور من محاور أدائه التدريسي، ويحدد فيه رأيه في كيفية التعاطي مع النتائج السلبية والإيجابية.من جهة أخرى، يمكن قياس كفاءة الأستاذ في أداء مهامه التدريسية من خلال ملفات المقررات التي يفترض أن يعدّها بمعدل مقرر في كل عام دراسي، على سبيل المثال، على أن تتضمن هذه الملفات نسخة من الأنشطة التعليمية التي طبّقت، كالاختبارات والواجبات والتقارير، إلى جانب عيّنات من إجابات الطلبة من مختلف المستويات التحصيلية. وكذلك يجب أن تشتمل هذه الملفات على بيانات خاصة بقياس مدى اكتساب الطلبة للمعارف والمهارات المطلوبة في سوق العمل، وفق وثائق البرنامج الأكاديمي. لذلك تعتبر هذه الملفات مصادر موثوقة لقياس عدد من المهام التدريسية كجودة تصميم الاختبارات وجدّية تقييم أداء الطلبة، إلى جانب كونها مطلبا أساسيا للحصول على اعتماد أكاديمي.وبالنسبة لمشاركة الأكاديمي في جهود تطوير واستحداث البرامج والمناهج الأكاديمية، فيمكن قياسها من خلال مشاركته في فعاليات وتقارير فرق التدريس التخصصية. وهي عبارة عن فرق عمل ينبغي تشكيلها في كل قسم علمي بواقع فريق لكل تخصص تدريسي دقيق، على أن يضم كل فريق عمل في عضويته عددا من أعضاء هيئة التدريس المكلّفين بتدريس المقررات التابعة للتخصص التدريسي الدقيق. وتكون هذه الفرق هي المسؤولة عن إعداد الرأي الأكاديمي لدعم اتخاذ القرارات في لجان المناهج والاعتماد الأكاديمي.نعم طريق الإصلاح شاق وطويل، ولكننا لا نملك خياراً غيره إن أردنا أن ننعم وأجيالنا القادمة بتنمية مستدامة... «اللهم أرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه».abdnakhi@yahoo.com
مقالات
رؤية ورأي
المهام التدريسية والترقيات الأكاديمية
12:44 م