لست من محبي لعبة الملاكمة، بل إنني أتردد في اعتبار الملاكمة لعبة أو رياضة، بسبب جسامة الإصابات المتوقع أن تلحقها بالمغلوب والغالب. ولكن إنجازات الملاكم الحديدي مايك تايسون جذبت اهتمامي واهتمام جل الطلبة الكويتيين في الولايات المتحدة في عام 1989، حيث كان سجله خالياً من أي خسارة وحافلاً بـ36 فوزا، 32 منها كانت بالضربة القاضية. لذلك اتفقنا نحن مجموعة من الطلبة الكويتيين على مشاهدة إحدى مبارياته، في عام 1989، في شقة جارنا العزيز محمد الخميس. وأتذكر أنني بعد فترة وجيزة من بداية المباراة خرجت مسرعاً إلى شقتي المجاورة لإحضار «دقوسي» أو شطتي المفضلة، ولكنني عند عودتي تفاجأت بأن تايسون قد تغلب على خصمه بضربة قاضية، قبل أن أستمتع بمشاهدة المنازلة وأنا أتناول الشيبس بالشطة مع اللبن.هناك أمران يميزان مباراة تايسون ضد ويليامز. الأمر الأول هو أن لكمة تايسون القاضية حذفت ويليامز بعيداً إلى الوراء. والثاني أن ويليامز اعترض بشدة على قرار الحكم باعتبار لكمة تايسون ضربة قاضية تقنياً، وطالب لاحقاً إلغاء نتيجة المباراة وتنظيم لقاء آخر مع تايسون، ولكن اتحادات الملاكمة الرئيسة الثلاثة رفضت إعادة المباراة. فلجأ ويليامز إلى الاعلام لإحراج تايسون والضغط عليه لقبول المبارزة، ولكن تايسون رفض طلبه، قائلاً: إن ويليامز فقد لقبه السابق، وعليه أن يفوز على عدد من الملاكمين البارزين، ليصبح لائقاً لمواجهة حامل اللقب.قصة ويليامز مع تايسون، تذكرتها قبل أسبوع عندما صعّد «نائب الاكتتاب» حملته الإعلامية ضد النائب خالد الشطي طالبا مواجهته مرة أخرى في جلسة الأربعاء، من أجل تعويض خسارته بالضربة القاضية في المواجهة السابقة. فرد عليه الشطي بهدوء برسالة مفادها أنه ليس هناك حاجة لمبارزته مرة أخرى، قبل أن يجتاز «نائب الاكتتاب» تبعات الضربة السابقة، التي يفترض أنها ستسقط عضويته وتقضي على مستقبله السياسي في القريب المنظور، خصوصاً بعد سقوط عضوية النائبين السابقين الحربش والطبطبائي بسبب إدانتهما في قضية جنائية.الغريب أن حملة التصعيد الأخيرة من قبل «نائب الاكتتاب» لاقت تفاعلاً كبيراً في وسائل التواصل الاجتماعي، في حين أن التفاعل كان ضعيفاً أو معدوما مع فضيحة «الاكتتاب». والأغرب أن العديد من نشطاء الفضاء الإلكتروني المناهضين للفساد كانت لهم ذات الموقفين السلبيين من نفس الحدثين. فالكثير منهم لم يتفاعل بالقدر المناسب مع الخبر الذي نشرته بعض الصحف الكويتية حول الكتاب الرسمي الذي وجهه عضو لجنة حماية الأموال العامة النائب الشطي إلى رئيس اللجنة آنذاك النائب شعيب المويزري، بشأن الدعوة إلى اجتماع اللجنة بتاريخ 19 أكتوبر 2017، للتصويت على التقارير المنجزة. حيث أبدى الشطي استغرابه من تغيير موعد اجتماع اللجنة إلى يوم الخميس عوضاً عن يوم الاثنين المعتمد لاجتماعات اللجنة منذ بداية دور الانعقاد الأول لمجلس 2016، لا سيما أن رئيس اللجنة كان يعلم أن الشطي خارج البلاد في حينه. وأوضح الشطي في كتابه بأنه طالب بالتصويت على التقارير المنجزة في آخر ثلاث اجتماعات، ولكن من دون جدوى. كما أشار إلى وجود مساعٍ للحيلولة دون ذكر اسم «نائب الاكتتاب» في تقرير اللجنة الخاص بشبهة التعدّي على المال العام في ملف الشركة الكويتية للاستثمار.وأيضا لم يتفاعلوا عندما أعلن الشطي في الصحف، أن تقرير الاكتتاب لم يصدر في دور الانعقاد الأول بسبب التسويف، ولم يتفاعلوا عندما أعيد عرض ذات الملف على اللجنة في دور الانعقاد الثاني بتشكيلتها الجديدة. ولا عندما صرّح مقرر اللجنة الجديدة النائب الشطي في 8 أبريل 2018 أن اللجنة أصدرت تقرير الاكتتاب بعد أن قررت بالإجماع إحالة كل من استفاد من الأموال العامة في ملف الشركة الكويتية للاستثمار الى النيابة العامة. ولم يتفاعلوا عندما وافق المجلس على إحالة تقرير اللجنة إلى النيابة العامة في 26 يونيو 2018، رغم أن ذلك القرار كان بمثابة إعلان فوز مشروع إصلاح بضربة قاضية.أعلم أن قضايا الفساد كثيرة، ولكن ما يخصص بعضها أنه لا يسلط الضوء عليها في وسائل التواصل الاجتماعي، لأن أبطالها يتمتعون بحصانة إعلامية من قبل مجموعة تدّعي أنها تحارب الفساد. المراد أن من يحصّن متعدّياً على المال العام، لا يمكن أن يكون صادقاً في حملته ضد الفساد. لذلك أدعوكم للحذر من رعاة الفساد المتستّرين بقناع الاصلاح... «اللهم أرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه».abdnakhi@yahoo.com