تزامناً مع الهبة يراودني الفضول لمقارنة مقال لك في 2009 و آخر في 2019! هل الشرخ الوطني ما زال قائماً أم أصبح أكثر عمقاً؟أحتاج أن أقرأ مقالاً متطرفاً «راديكالياً»... أحس المقالات تكرر نفسها... الموضوع نفسه بطرح غير، الأزمة نفسها... «طيب» متى الحل؟تتصور في 2035 شنو راح تكون مشاكلنا؟ أتوقع نفسها.راجع 2009 بالله شوف شاللي تغير؟جاءني هذا التعليق، الذي صدمني لوهلة، من صديقتي الرائعة والكاتبة الصامتة التي لا تنشر «سبيجة الغريب»، واحدة من أخواتي، اللائي لم تلدهن أمي وواحدة من اللاتي يفضلن الصمت على الكلام، أو على حد تعبيرها «أما من على شاكلتي تتطور حالتنا في هذا الوطن من السكوت إلى الفرجة»!وفعلا وبناء على نصيحتها راجعت مقالاتي، ولكن ليس من 2009 بل من 2012 حيث أول مقال كتبته في جريدة «الراي»، وإن لم تخني الذاكرة، كان بعنوان «لماذا جلست في البيت»، وفي الواقع لقد اكتشفت أنني فعلاً أدور حول عشرة مواضيع، والتي نفسها نقدمها بطرق مختلفة، نغير الكلمات والتشبيهات والعناوين، ونادراً ما نقدم الحلول أو البدائل... نعم يا سيدتي أتفق معك تماماً...غالباً نحن لا نقدم شيئاً جديداً.ولكنني اكتشفت أيضاً أن الذي يتغير ليس الواقع ولكنه وعينا بهذا الواقع، لأن وعينا بأن التغيير من الداخل وليس الخارج فقط. وبأن شكل كتاباتنا هو شكل إنصاتنا، وليس كثرة ما نعرف أو نقرأ فقط أو ما نحن متمكنون من قوله.نحن الكتاب الصغار الذين ما زال وعينا يتشكل بالصمت والإنصات، نخاف أكثر مما نقوله، ونكتبه وليس مما لا نقوله. نسطر وعينا المتغير ونقف على هوامش اللغة، منصتين لها ومتسائلين إلى أي مدى كانت كتابتك معبرة عن فعلك، وجامعة للمعاني حولك، وليس للكلمات الميتة التي قرأتها أو تمنيت يوما أن تكون كاتبها؟ الكتابة أحيانا تحول الطمي الغني بإمكانيات الحياة إلى أرض قيعان، لا تنبت ولا تروي. فالكتابة تشخيص للخيال وقيد للفكرة وسلطة على القارئ غير الرابط... وفتنة للكاتب، وأعلم جيداً أن هذا الكلام قد يقال أيضاً على الرسم والتصوير أو حتى النوتة الموسيقية، ولكن الكتابة الصحافية - بالتحديد - كشكل من أشكال الكتابة المستمرة والمتطورة مع الوعي، الذي يأخذ شكل التعبير عنه فترات زمنية متقاربة، قد تصل إلى يوم أو يومين في الأسبوع وربما كل يوم... تجعل الكتابة مسؤولية خطيرة في إمكانية أن تكون سبباً في مغاليق الخير وشرارة في شر لا تراه.وما بين إشارات الكاتب واستقبال القارئ... مساحات إذا لم يذكر فيها اسم الله... ماتت.الذين يكتبون يحبون القمر... فالله قدر القمر منازل، نراه أمامنا يكبر ويصغر ويمشي معنا أحياناً، يعجب الأطفال في سيره معهم ويلفت انتباههم، أما الشمس فيحيلونها للحقيقة كتشبيه، الشمس أهم والقمر أحب إلينا لأنه مثلنا، يتنقل كتجربتنا في الكتابة، التي لا تبحث عن الحقيقة، ولكنها تبحث في حقيقتنا من دون الألف واللام. تبحث في خلاصنا وليس الخلاص.أعتقد أن الكتابة بنت سياقها... أحيانا تتخطى هذا السياق، وأحياناً تنغمس فيه، نكتب عن الوطن بخيره وشره وعن معاناتنا التي تشبعنا منها.واتفق معك أيضاً حول سؤال متى الحل؟ عن نفسي لا أدري... ولذلك لم أعد اتساءل، لأني أصبحت أعتقد أن الخلاص فردي وليس جماعيا، ووطني هو ما بين حركتي وسكوني ومقابر أحبابي... وفي هذا السياق تقع مسؤولية أفعالي ونتيجة اختياراتي... وطن الكاتب ليس بحجم وطن رئيس الوزراء.وهذه ليست سلبية أو انسحاب غير وقور من الواقع بسبب حالة إحباط أو قيد... فقط أصبحت لا أنظر إلى «الواقع» بل إلى «واقعي»... حذفت الألف واللام من حياتي. فلم أعد أكتب للكل ولكني أكتب لكلي وما يحيطه، ولم أعد أبحث عن الإصلاح، ولكنه إصلاح أفعالي ونواياي، ولم أعد أهتم كيف سأضع لنفسي كرسياً أدبياً، بحيث يقال اسمي قبل نجيب محفوظ أو طه حسين، ولكني أفكر كيف «أكتبني»، ثم أسال الله أن يفجر اللغة في وجه خيال القارئ... سائلاً - أيضاً - اللطف في تسطير الخيال وجمع المعاني في سطر.شكرا على السؤال يا صديقتي... فالسؤال هو جامع وعي السائل وأفق وامتداد للمسؤول.@moh1alatwan