مفارقة أن يقر البرلمان الكويتي قانوني الصحة النفسية والتقاعد المبكر في آن واحد معاً، وكأنه يبعث رسالة مفادها: لصحتكم النفسية تقاعدوا مبكراً.في اليوم نفسه كانت رزنامة العم العجيري - أطال الله في عمره - تتوجها مقولة: «اعمل على أن يحبك الناس عندما تغادر منصبك، كما يحبونك عندما تتسلمه»، صورت الورقة وكتبت فوق الصورة: «إلى جميع المسؤولين مع التحية» ونشرت التغريدة على حسابي في تويتر، فاشتعلت واتسابات المسؤولين بتداولها بينهم على طريقة: «اللي على رأسه بطحة»!بين شاتم وشامت في المسؤولين الراحلين، هناك من يثني عليك، وهناك من يثنيك عن قرار الرحيل، عندما تحررنا من قيود نظام التأمينات الاجتماعية المجحف، وصار التقاعد من الدوام - الذي لا عمل فيه سوى إحباطك عوضاً عن تشجيعك - اختيارياً في وقت مثالي لمن يرى في التطور المهني مثالا يحتذى به.وفي هذا الصدد، أعادتني الذاكرة عشرين عاماً إلى الوراء، استرجعت حواراً دار بيني وبين زميل لي في الجامعة - الله يذكره بالخير - عندما تلقيت في اليوم نفسه عرضي عمل، الأول للعمل في إحدى الصحف الكويتية، والثاني من «الراي».كنت في قمة حيرتي، حتى أنني اضطررت للاستعانة بصديق «لا أمون عليه»، بل ربما لم أتحدث معه إلا تلك المرة التي قال فيها: إن الوضع يشبه اختيار حديث التخرج بين وظيفة حكومية براتب معقول وزيادة واضحة، ودوام واضح يغادره ليتغدى ويشرب «لبن» و«يكبر المخدة» ثم يصحو و«يروح الديوانية، يلعب كوت»، ووظيفة أخرى في قطاع خاص مليئة بالتحديات، إذا أثبت نفسه فيها فسيتم مكافأته من دون قيود، وقد يتضاعف الراتب أو يقفز من أول السلم إلى القمة لكنه مهدد بالفصل النهائي إذا تقاعس!لم يعرف ذلك الزميل قراري في حينه، لأننا لم نلتق أو نتحدث بعدها، لكن اختياري للخيار الثاني للعمل في «الراي» لفترة ناهزت العقد في عالم الصحافة، كرس تأثير تحليله على قرار مصيري من قرارات حياتي.حياتنا سلسلة من القرارات المصيرية المتشابكة والمترابطة لصنع أقدارنا التي تصنع منا أشخاصاً أفضل كلما واجهنا تحديا جديدا، وتعد الوظيفة الحكومية - في عصرنا الحالي - تحدياً كبيراً بل يكاد يكون من أكبر التحديات، لأنه مرتبط بأرزاق الناس ولقمة أبنائها.ثمة مثل مفاده: «الأبناء شجرة الذل»، يضطر الآباء والأمهات إلى رهن حياتهم في وظيفة تدمر صحتهم البدنية والعقلية والنفسية، لضمان ما يكفل لهم حياة كريمة تعترضها المنح والأقساط والقروض، فالراتب لا يكفي الحاجة!شاهدت قبل أيام إعلاناً للتشجيع على الأعمال الخاصة والمشروعات، «من صجك للحين موظف!»، فمعظمنا مضطر لأن ارتباطه بوظيفته يعد صمام أمان لمواجهة احتمالات الربح والخسارة، لمساندة من يعيله ويعتمد عليه، وذلك يدفعه لاحتمال ما لايحتمل!واليوم بعد إقرار قانون التقاعد المبكر، رمى كثيرون عن كاهلهم حملاً ثقيلاً براتب معقول، يستطيع إلى جانبه إصدار رخصة تجارية والبدء من جديد في مشاريع وطموحات لا حد لها، فالتقاعد بداية الحياة وليست نهايتها، طالما آمنا أن الحياة الحقيقية خارج أسوار الدوامات، التي تنافس «العصفورية» في أمراضها العقلية، ولا يكفي كتاب كامل لرصد تلك الأمراض أو حصرها أو تحليلها.قبل يومين من إقرار القانون كتبت الزميلة شعاع القاطي في حسابها على تويتر التغريدة التالية: «اذا طغى التعب والإرهاق على المتعة في العمل... آن أوان التغيير فلا قيمة لأي وظيفة إذا لم تكن تحمل معها متعتها، التي تحفز على الاستمرار والتطور»وفي تغريدة أخرى أوضحت: «لا تشعر بالارتباط المؤبد مع أي شخص، مكان، وظيفة، فسمة الحياة التغيير».
مقالات
رواق
تقاعدوا تصحّوا
07:57 م