لو خرج رجل من منزله الذي يبعد عن العاصمة مسافة 25 كيلومترا، وهو يقود سيارته بسرعة جنونية متأرجحاً بين السيارات بطريقة خطرة، رغبة منه في الوصول مبكراً، فإنه لن يستفيد من الوقت شيئا سوى دقيقة أو أكثر بقليل، عن الشخص الذي سار على الطريق نفسه ملتزما السرعة المقررة والقيادة الآمنة، وحسب الدراسات المرورية العلمية فإن الثاني ربما يلتقي الشخص الأول عند الإشارة المرورية التي ستوقفهما في نهاية الطريق السريع، أو في أفضل الأحوال ربما يسبقه بدقيقة أو دقيقتين فقط، ولا ننسى الخيار الأهم وهو أن الأول ربما يتعرض لحادث يؤذي به نفسه ويؤذي غيره بسبب هذه القيادة المجنونة في الطريق، هذا هو العبث بعينه في الطرق المرورية الذي يؤدي للمصائب. سياسياً هناك عبث أيضاً أضراره كثيرة ومنافعه المرجوة معدومة كما السرعة الزائدة، في مسألة إسقاط عضوية مجلس الأمة عن بعض النواب التي أشغلت المجتمع دعونا نحسبها حسبة نتائج لا مجرد مواقف، وعلى فرض جدلي أن عضوية النائبين لم تسقط بسبب موقف المجلس ماذا سيستفيد وهما محكوم عليهما بالحبس النافذ؟ هل سيعودان إلى البلاد؟ وعلى فرضية أنهما عادا سندخل أو سيدخلنا ذات النواب في جدل آخر، هل النائب يتم تنفيذ حكم الحبس عليه؟ أم أن الحصانة تمنع ذلك؟ وعلى فرض جدلي أن أخذنا بالرأي القائل بأن النائب لا ينفذ عليه حكم الحبس النهائي بسبب الحصانة وأن النائبين عادا فعلاً للبلاد ومارسا دورهما النيابي، ثم ماذا؟ هل سيبقيان على وجل من تنفيذ حكم الحبس الصادر بحقهما أن ينفذ عليهما في أي وقت؟ ماذا لو تم حل مجلس الأمة ومباشرة تم القبض عليهما بزوال الحصانة ؟ ماذا لو انتهى دور الانعقاد الذي يزيل الحصانة وعند مغادرتهما البلاد وقبل انتهائه وجدا أنفسهما ممنوعين من السفر استناداً على الحكم، ليقبض عليهما بعد فض دور الانعقاد؟ كل هذه أسئلة فرضية واردة طبعاً وممكنة! السؤال الأهم ماذا استفاد الأعضاء الذين تمسكوا بعدم إسقاط عضوية هؤلاء النواب، وماذا أفادوهم في موقفهم الآن؟ الجواب: لا شيء ! هؤلاء النواب المحكومون بالحبس لا يراهنون إلا على شيء واحد هو العفو ممن يملكه فقط، وقد اتخذ نواب البرلمان مسلكاً خاطئاً عبثياً لم يستفد منه أي أحد فضلاً عن خطئه الدستوري طبعاً، وهذا المسلك باعدهم عن العفو، وأدى إلى القضاء بعدم دستورية إحدى مواد اللائحة الداخلية لمجلس الأمة، وأدى أيضاً إلى النص صراحة في حكم قضائي صادر من المحكمة الدستورية بسقوط العضوية، وأشغل البلاد والمؤسسات بما لا طائل منه ولا فائدة! هذا السلوك السياسي لا يختلف أبدا عن سلوك قائد المركبة الأولى، الذي أشغل الشارع خوفاً وأرعب الآخرين بطريقة قيادته، ثم هو لم يحقق أي فائدة سوى بضع دقائق وصل بها قبل غيره، وربما أدى إلى كثير من الحوادث بسبب هذه «الرعونة». العبث السياسي ظل عنواناً للمرحلة، خلال السنين الأخيرة للأسف! @lawyermodalsbti
مقالات
واضح
العبث السياسي في مسألة إسقاط العضوية!
10:38 م