لا أحد - للأسف - يعرف عن قراقوش، إلا تلك الأكاذيب التي انتشرت كما تنتشر النار في الهشيم، كما هي العادة في كل أكذوبة! قراقوش هو بهاء الدين قراقوش بن عبدالله الأسدي، و«قراقوش» كلمة تركية تعني النسر الأسود، وكان أحد ثلاثة رجال قام عليهم حكم وسلطان صلاح الدين الأيوبي وينوب عن صلاح الدين في الحكم إذا سافر، وهو الذي بنى قلعة الجبل في مصر وأوصل لها الماء بطريقة هندسية بديعة، وبنى القناطر الخيرية وقلعة عكا لحمايتها من الهجوم، وفي بدائع الزهور لابن إياس: «كان قراقوش القائم بأمور الملك يسوس الرعية أحسن سياسة وأحبته الرعية...».ولابن خلكان في وفيات الأعيان: «كان قراقوش حسن المقاصد جميل النية...»، وفي بعض كتب التاريخ: «وكان وزير صلاح الدين في مصر بهاء الدين قراقوش، وكان رجلاً صالحاً غلب عليه الانقياد إلى الخير، وإذا سافر الملك يفوّض الأمر إليه في البلاد...».وللرجل في كتب التاريخ مناقب كثيرة سواء في العدل أو الشجاعة والقوة والحروب، وفي حسن إدارة شؤون البلاد.لست - قطعاً - في صدد الدفاع عن قراقوش أو تحقيق الروايات حول جنون أحكامه أو عدلها، فهذا غير المراد، المراد هنا الاستفادة من هذا الدرس القاسي على «قراقوش»! كيف يمكن أن تنقلب الحقائق حتى تغدو الإشاعات حقيقة، والأكاذيب هي السائدة التي لا تقبل حتى مجرد النقاش، كثيرون ظلمهم التاريخ، كثيرون يظلمهم الحاضر ايضاً، كثير من الحقائق شوهت. وكثير من الأباطيل فرضت وأصبحت متسيدة... الخلل فينا لا في من يكذب أو يزور الحقائق... فينا لأننا نتلقف المعلومات وكأنها مسلمة من دون أي تمحيص... وتروق لأغلبنا الإشاعات والأكاذيب لأنها تشبع في نفوس بعضنا المريضة جوع السطحية! كم من شخصية حاضرة بيننا اليوم أو كم من فكرة أو معلومة أو كم من منهج سياسي أو اجتماعي هم كقراقوش! حيكت حولهم الروايات والقصص الخيالية، حتى غدا ذاك الخيال حقيقة في ذهن وعقول الناس! كلنا... كلنا يدقق في ما يقبض من نقود مهما صغرت فئة ما استلم، حتى لو استلم ديناراً واحداً، لا يمكن أن يقبله من أحد إن كان تالفاً أو به خرق أو قطع... أليس كذلك! هذا ما نفعله بدينار نستلمه. كلنا للأسف لا ندقق أبداً في ما يستلم عقلنا من معلومات أو قصص أو افكار... نستقبلها كما هي ونبني عليها كثيراً من معتقداتنا وآرائنا ومناهجنا السياسية! الحقائق في عالمنا العربي الاسلامي غالباً ما تكون غائبة أو مغيبة، لا بسبب يعود إليها - فهي دائماً ناصعة ظاهرة - لكن بسبب يعود الى سوء منهجنا الفكري في الفهم أولاً، والى سوء أجهزة استقبالنا العقلية التي لا تميز بين كذب أو حقيقة! هما سيّان وفق برمجة عقولنا! حول قراقوش - حسب اطلاعي - تم تأليف كتابين... أحدهما قديم باسم «الفاشوش في أحكام قراقوش» للاسعد بن مماتى ملأه بالقصص المضحكة حول أحكام قراقوش المجنونة، والثاني لصالح محمد الجاسر أسماه «قراقوش المظلوم حياً وميتاً»، وبين هذين الكتابين تجد كل سخافة وضحالة الفكر لدينا! قراقوش مات وذهب من زمان وبقي غيره كثيرون تظلمهم السطحية، كما تظلم كثير من الأفكار والمناهج... وفي الوقت نفسه بقي من يتسيد المشهد، وهو في الحقيقة ليس الا مجرد خيال وأكذوبة! ليتنا ندقق في ما تستلم عقولنا من معلومات، كما ندقق في ما تستلم أيدينا من نقود!@lawyermodalsbti
مقالات
واضح
قراقوش المظلوم تاريخياً!
10:36 م