في عالم تصنعه الأسئلة علينا أن نتساءل: لماذا نعتقد أن أثر ودور المرأة كمدير إدارة أو نائب برلمان أو رائدة في الحركة النسوية، أو أدبية ترسم المعاني للناس، أهم وأكبر في مخيلتنا من كونها أماً تغرس معاني الجمال والحياة في نفوس أبنائها؟ أليست «ميم» الأم هي ميم الجمع والضم لكل ما سبق من أدوار؟سأبدأ هذا المقال بهذا السؤال لكي لا أجيب عنه في آخره.ولكني ومن دون مناسبة أريد أن أكتب عن أمي رحمها الله، وانطلق من سؤال آخر.كيف يمكن للإنسان أن يكتب عن أمه من دون أن يجعل القارئ يشعر بالملل من سماع حديث لم يكن طرفاً في ذكرياته؟هذا هو السؤال الذي سأنطلق منه لكي أقدم لنفسي خطاباً مفتوحاً في الرثاء، وأقدم لكم ضبطاً للايقاع الاجتماعي.الذين يعتقدون أن الفن هو تشخيص للخيال، والكتابة قيد للفكرة، أشاروا في أبحاثهم الأدبية المنشورة في مجلات غير مشهورة أن الابن الجيد هو الذي يجعل القارئ يرى الأشخاص وليس السطور، لا يكتب عن الذكرى ولكنه يشير إلى امتدادها.كتبت الزميلة في «الراي» الأستاذة منى الوهيب منذ فترة مقالاً بعنوان «غدا ستموت أمي!» وكان رائعاً - أنصحكم بالرجوع إليه - ليس من أجل تأجيج حالات الحزن، ولكن من أجل جمالية المعاني وامتداد الذكرى، التي تشعرنا جميعا أن الكاتب يتحدث عن أمهاتنا أيضاً.قبل أسبوع كتبت الزميلة نجاة الحشاش مقالا بعنوان «رحمك الله يا أمي... يا فقيدة قلبي» بثلاث آهات «آآه يا أمي» تشبه آهات جميع مَن فقدوا أمهاتهم.الأم الرائعة هي التي تجعلك تبحث عنها في جميع الأمهات، وبين جميع المقالات والقصص التي تتكلم عن الأم، تبحث عن من يشبهها أو عن الإمكانية التي تتمنى أن تكون عليها، أو عن حلم ترويه لك إحدى الأمهات فتكتشف أنه يشبه حلمها.يصبح حالك كما قال بن عربي:كيف السبيل إلى غيب وأعيننافي كل حين تراه في تجليه.ليس هناك أحد يشبه أمي... مثل هذه العبارات تشعرني بالخوف أكثر من التقدير.ودعاء الأم دليل...تخصص دعوة خاصة لكل ابن من أبنائها حسب حاله ومقامه وتراعي فقه الأولويات بينهم، وتستشرف مستقبلهم وتسأل الله دائما أن يكون معهم أينما حلوا وارتحلوا، بعيداً عنها أو قريباً منها.الأم دليل يتخطى وعيك، ويخطو عليه ويحيطه ويرعاه، من الملاغاة الأولى لك، كأول روائية في حياتك وحتى كلماتها الأخيرة «لا تنسني يا بني من صالح دعائك» وهي أعلم الناس بحالك.لا تقدم الأم عادة لأبنائها حكماً وشعارات موغلة في الفصاحة، بقدر ما تقدم نصائح ودعاء موغلاً في الصدق. يقولون في دراسة علمية غير موثقة بأن المكان الذي تذهب إليه الفيلة لكي تلد صغارها، هو المكان نفسه الذي تعود إليه الإناث المسنة لكي تموت... البعض سمى المكان «مقابر الفيلة» بينما أسماه آخرون «النداء الأول».الذين يرون أمهاتهم في أصل الأشياء ويعتقدون أنه من غير المجدي السعي خلف الأشياء كأشياء، يفضلون أن يطلقوا على المكان بالنداء الأول.إنهم الذين يرون أمهاتهم في كل نداء أول للأشياء، وقد لملموا قناعاتهم في حقيبة سفر كتب عليها:- من طاولة مطبخ بيتك إلى حافة الكون... تنقل كما تشاء، ستبقى الأم أكبر المعجزات غير القابلة للتفسير.وميم الأم هي ميم الجمع والضم واللم... تجلي سكون وصدى حرف «الميم» في مسجد ومدرسة ومنزل، وتجلي حركة ودلالات حرف «الميم» في مدبرة ومديرة وميسرة.ومع المعذرة لحرف «الميم» على كشف سره.كان من المفترض في هذا المقال أن يكون رثاء لأمي رحمها الله وحفظ الله أحبابكم، ولكني وجدت نفسي أكتبها من خلال اخرين.وكم يتشابه الخلق عندما نعود بهم إلى الأصل الأول... إلى الله.كان هذا عزيزي القارئ مقالاً في تمجيد الأم، وبمجدها نتمجد... والحمد لله رب العالمين.قصة قصيرة:كتابة على جدار:الذين فقدوا أمهاتهم كرجل يشعر بالعطش في صحراء، ولكنه يغني للمياه النقية.كتابة على جرة:إذا فقد الكناري بصره زاد صوته عذوبة وصدى.@moh1alatwan.
مقالات
خواطر صعلوك
أغنية في ضبط الإيقاع الاجتماعي!
01:56 ص