أشرت في مقالي السابق إلى أن مقترحات معالجة أزمة «البدون» يجب أن تحتضن حرص الحكومة على صون الأمن الوطني الشامل، في بعديه الداخلي والخارجي. وذكرت أيضاً أن تعليم «البدون» في المدارس والجامعات، ضرورة استراتيجية مستعجلة، للمساهمة في معالجة أزمة «البدون»، وفي تلبية متطلبات رؤيتنا الاستراتيجية «كويت جديدة». وهذا ما سأستعرض بعض جوانبه في مقال اليوم.التعليم كما جاء في المادة (13) من دستورنا، ركن أساسي لتقدم مجتمعنا. وحيث إن رؤيتنا التنموية طموحة جداً، وتتطلب طاقات بشرية تفوق طاقتنا من الكوادر الوطنية، كماً ونوعاً. لذلك علينا الاستعانة بالكوادر الأجنبية في تنفيذ مشاريعنا التنموية. ولكن تلك الاستعانة يجب أن تكون عند حدها الأدنى، لأن الكوادر المستعارة قادرة على استيراد المهارات والخبرات بصورة موقتة، ولكنها لن تتمكن من توطينها إلا من خلال نقلها إلى كوادر وطنية أو مستوطنة في الكويت. لذلك اشراك «البدون»، جنباً إلى جنب الكويتيين، في تنفيذ مشاريعنا التنموية، سيضاعف من طاقتنا على توطين المعارف والخبرات المهنية والتقنية في البلاد. وهذا بدوره سيرفع من درجة اكتفائنا الذاتي، وتباعا سيعزز أمننا الوطني الشامل. حتى بالنسبة لمن يطالب بإبعاد «البدون» بحجة أنهم يخفون هوياتهم الأصلية، فإن تعليمهم وتدريبهم في معاهد وكليات الهيئة العامة للتعليم التطبيقي والتدريب، ومن خلال مشاريعنا التنموية، سيعزز من فرص هجرتهم واستيطانهم، هم وأسرهم، في دول غربية متعطشة للعمالة المدرّبة. فعلى سبيل المثال، نجد أن العديد من الكوادر التمريضية الآسيوية التي عملت في الكويت، لم يرجعوا إلى أوطانهم بعد انتهاء عقودهم، بل انتقلوا للعمل والاستقرار في الولايات المتحدة الأميركية. المراد أن تعليم وتدريب «البدون» يفترض أن يكون هدفا مشتركاً بين من يرى أن من حقهم الاستقرار في الكويت، وبين من يطالب بإبعادهم، بعد الكشف عن هوياتهم الأصلية.من ناحية أخرى، نعلم نحن الكويتيين أن المجتمع الدولي هو عمقنا الاستراتيجي، وتجربة التحرير خير دليل على ذلك. ونعلم أيضاً أن الاجماع الأممي الذي ساند شرعيتنا إبان الغزو ما كان ليتشكل، لولا الجهود المضنية، التي بذلها مسؤولون حكوميون ولجان شعبية، لإيصال الصورة الحضارية الديموقراطية للكويت، إلى الدول التي شاركت في القوة الأممية السياسية والعسكرية التي حررت الكويت. ونتذكر جيداً أن نسبية كبيرة من فعالياتنا السياسية إبان الغزو، كانت مخصصة للتأكيد على التزامنا كدولة بالخيار الديموقراطي في إدارة بلادنا. الشاهد أن صلابة عمقنا الاممي مرتبطة بحسن صورتنا في المجتمع الدولي.في العام 2000، وقع قادة 189 بلدا، من بينهم الكويت، في مقر الأمم المتحدة على إعلان الألفية التاريخي، حيث التزموا بتحقيق مجموعة من ثمانية أهداف بحلول العام 2015، وكان التعليم هو الهدف الثاني من بينها. ثم في العام 2015، اعتمدت 193 دولة جدول أعمال التنمية بعنوان «تحويل عالمنا: خطة التنمية المستدامة لعام 2030»، وتتضمن الخطة 17 هدفا للتنمية المستدامة، والتعليم ذو الجودة العالية هو الهدف الرابع من بينها. الخلاصة أن توفير التعليم الجيد في الكويت، للكويتيين ولغيرهم، أصبح من المحاور المتاحة لتنقية صورتنا الحضارية في المجتمع الدولي، وتباعاً تدعيم أمننا الوطني الشامل.لذلك أقول بوضوح إن حكومتنا بحاجة إلى نهضة في سياستها المتبعة في إدارة أزمة «البدون». وهي بحاجة إلى طفرة فكرية، تمكنها من تحويل العقبات إلى جسور، وتساعدها في تحويل مواقع الضعف إلى مكامن قوة لها. الدول المتطورة، تستثمر في الابتكار والإبداع، ليس فقط في المجالات الفنية، بل في كل شأن. لذلك تمتلك اليوم خبرة عريقة في خلق واقتناص الفرص، بل حتى في تحويل التهديدات إلى فرص. فمن باب المثال، ومن دون تشبيه عناصر المثال بأحد، هذه الدول نجحت في تحول أزمة التخلص من النفايات، التي باتت تهدد البيئة واستدامة تنميتها، إلى منجم مواد خام لمصانع إعادة التدوير، وإلى حقل وقود لمحطات إنتاج الطاقة.لماذا حكومتنا لا تتبنى سياسة مبتكرة في ملف تعليم «البدون»، وفي غيره من الملفات الحقوقية الإنسانية؟ سياسة تنقلها من موقفها الحالي تجاه «البدون»، الذي أضر بصورتنا في المجتمع الدولي، إلى المستثمر في الملف التعليمي بشكل خاص، وفي الملفات الأخرى المتعلقة «بالبدون» بشكل عام، من أجل تعزيز أمننا الوطني الشامل، عبر زيادة قدراتنا التنموية، وتحسين موقعنا في القرية الأممية؟... «اللهم أرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه».abdnakhi@yahoo.com