زخات مطر تتساقط محملة بفعل الرياح بأوراق أشجار أصالتها مشابهة لأصالة الصوت الصباحي الملائكي الذي تناغم مع حالة الجو! قدت السيارة و«شتي يا دنيي تيزيد موسمنا ويحلا ويدفق مي وزرع جديد بحقلتنا يعلا» حولت ماسحات الزجاج إلى قيثارة عذبة. شردت بفكري بعيداً متناسية للحظة وجهتي وفكرت بكل المصاعب التي مرت على «جارة القمر»! عنادها وتمسكها بقناعاتها وفرض تلك القناعات على الجميع حتى الرؤساء، غير آبهة بتبعات قراراتها كرفضها الغناء أمام الرئيس التونسي الحبيب بورقيبة عام 1965 بطلب من رئيس الوزراء اللبناني آنذاك... فغضب بورقيبة ومنع إذاعة أغانيها لسنتين في الإذاعة التونسية. فيروز أبت أن تتحول إلى مطربة قصور، وفضّلت العامة، فظلم الصوت الملائكي بسبب كرامة فنان. عدت بتفكيري إلى وجهتي، مشواري بعيد فحيث أنا موجودة يستغرق أي مشوار (ويسمى قريب) 25 دقيقة. قلبت المحطات الإذاعية. أخبار ترامب والكرفان... انفجار هنا... قذيفة هناك...! اللغة التي أسمعها تحولت إلى «السنسكريتية» مع رومانسية الطقس! لم أتمكن من فك الحروف ففضلت النغم.بحثت في هاتفي عن أغنية مناسبة ووجدت ألبوماً لأم كلثوم. عملية سهلة في زمن «الآي كلاود»، «الآي تيون» و«البلوتوث»! «ومرت الأيام... ودارت الأيام... ما بين خصام وبعاد». أغنية أبكت أم كلثوم المتماسكة الأبية على المسرح. بكت زمناً ولّى وفراق رفاق وأحبة. بكت كرامتها من إهانة وجهت إليها لأنها نسيت كلمة... «يا ريّس» واستبدلتها بـ... «أبو الأنوار»! بكت «سيدة مصر الأولى» وقتها، لأنها تعلم أنها ودعت هذا اللقب الذي منحه لها الرئيس جمال عبدالناصر... ودّعته إلى الأبد قسراً! حولت من العربية إلى الأغاني الفرنسية. غيوم وكلام فرنسي؟ إنها الرومانسية المطلقة! بدأت بـ «La Boheme» لشارل أزنافور، لأنتقل إلى «Gigi Lamorozo» لداليدا. فبعد أن تحدثت إلى جيجي، قررت داليدا، وعبر «بلوتوث» السيارة، أن تنادي مصطفى!لأغنية «يا مصطفى يا مصطفى» قصة أيضاً. الأغنية منع بثها في الإذاعة المصرية بحجة أنها تتضمن إسقاطات سياسية، وبأن المقصود في الأغنية الزعيم الوفدي مصطفى النحاس، والسبع سنين في العطارين هي المدة منذ إسقاط الملكية!كم من قصة وقصة ارتبطت بفنان وعهد سياسي. فنانون تحولوا إما إلى مناصرين، أو حاشية أو... خصوم.قصص غير مستجدة. بعض القادة على مر التاريخ عشقوا النفخ وكرهوا النقد. حالات قديمة كقدم عهد سيف الدولة وأبو الطيب المتنبي وعلاقة المادح بالوالي. علاقة وإن توطدت انتهت معظم الأحيان بـ«يا أعدل الناس إلا في معاملتي فيك الخصام وأنت الخصم والحكم».