في رحاب بيئتنا الخضراء وبيتنا الواسع الكبير هناك الكثير والكثير من العناصر، مما يمكن أن نطلق عليه مثل هذه الصفة، والإنسان لم يستطع أن يكبح جماح استهلاكه لتلك المواد والعناصر وعلى مر آلاف السنين، وكما نحن اليوم نعيش زمن الذهب الأسود -النفط- فإن زمانا طويلا ظل فيه الملح هو الذهب الأبيض، بل كان التجار فيه يقايضون الملح بالذهب.كان الملح ومنذ القدم إلى عهد قريب هو الوسيلة الوحيدة لحفظ الأطعمة قبل ظهور البدائل الحديثة كالتعليب والتثليج والتكرير، وكان الكويتيون كبقية الشعوب يملحون اللحوم ويسمونها «القفر» والأسماك كالخباط والربيان اليابس، وكان أهل الفحيحيل بالذات ينشرون القفر والأسماك في المكان نفسه الذي شُيد فيه الآن مجمع المنشر، وبهذه الوسيلة يتمكنون من تناولها في غير مواسمها وكذلك في الأسفار وحين تنقطع لأن الملح يحفظها من التلف مدداً طويلة. يتألف الملح كيميائيا من كلوريد الصوديوم ويضاف إليه اليود ليساعد على النمو و إنتاج الهرمونات ويطور القدرات الذهنية ومن الممكن أن يفقد الملح ما فيه من اليود عند تعرضه للهواء، ولولا اليود المضاف ما كان للملح حاجة إلى تاريخ للصلاحية، لذلك احرصوا على وضع الملح في عبوات زجاجية مُحكمة الإغلاق. ويتحصل على الملح من خلال تبخير مياه البحر أو باستخراجه من بعض الصخور، ولقد شق الرومان طرقاً للملح في أراضي إمبراطوريتهم الواسعة لتأمين نقله، فكان للملح طريق أسوة بطريق الحرير ذلك الطريق التاريخي التجاري الممتد 5000كم من الصين إلى الشرق إلى أوروبا، قبل أن يستبدل بالطرق البحرية في القرن السادس عشر الميلادي، ويكفي أن نعلم أن مدينة ليفربول الشهيرة قد شيدت أساساً عام 1207م على تجارة الملح والذي كان يعرف في جميع أنحاء العالم بملح ليفربول. وحينما تمردت المستعمرات الأميركية عام 1775م وسنت ضرائب على استيراد الملح من بريطانيا فرضت الأخيرة حصاراً تسبب في نقص خطير في الملح، وفي 1783م انتهت الثورة الأميركية بالاستقلال من بريطانيا. وقاد الزعيم الهندي غاندي ثورة الملح أواخر العشرينات ضد الاستعمار البريطاني الذي احتكر صناعة الملح والاتجار به، ومنع الهنود من الحصول عليه، وحينما وصل غاندي ورفاقه إلى البحر بعد مسيرة 25 يوماً قطعوا فيها 520كم كان الآلاف من الهنود قد تجمعوا حوله لاستخراج الملح متحدين سلطة الاحتلال، وبعد حملة اعتقالات سمحت السلطات البريطانية للهنود بالتقاط الملح فقط لاستخدامهم الخاص، واستطاع الهنود عام 1947 الحصول على الاستقلال التام. وهكذا ظل الملح حاضرا لا يغيب منذ القدم إلى عصرنا الحاضر، فتحية لبيئتنا الخضراء وتحية للذهب الأبيض.Twitter: @HamadBouresly
متفرقات
الزاوية الخضراء
الذهب الأبيض
08:21 م