كلما اتسعت الرؤية ضاقت العبارة، وكلما ضاقت تصوراتنا عن الحياة، توسّعت حدود مقابرنا فقط.قامت وزارة الإعلام بطرح مشروع «رخصة الرقيب»، والذي يهدف إلى فتح طاولة مستديرة يجلس إليها موظفو إدارة الرقابة الذين يلعبون دور «الرقباء»، والذين أساء لهم بعض المثقفين بقصد أو من دون قصد، بسبب الكتب الممنوعة في الفترة الأخيرة، وعلى الطاولة نفسها يجلس معهم ويحاورهم الروائيون والكتاب والمفكرون والمثقفون والنخبة... من الذين قالوا عن أنفسهم ما لم يقله المتنبي في أبي فراس الحمداني.ولأسباب لا يعلمها إلا الله والمستشار الإعلامي للوزير، صديقي المبدع عبدالعزيز الجناحي القائم على المشروع والمتابع له، تم اختياري ضمن جلساء الطاولة المستمرة لمدة شهر كامل، وكان نصيبي منها حلقة نقاشية مدتها «ساعتان» مع 30 شابا وشابة من الإدارة.ولكي لا يذوب الرقيب في الكاتب أو الكاتب في الرقيب، استعنت بخبير العمل الشبابي أحمد عوض ليساعدني في إدارة الحلقة النقاشية.لأكتشف أن فتح نقاش متبادل حول أنواع الإطلالات المختلفة، التي ينظر من خلالها الرقيب إلى النص أو الكاتب إلى الرقيب أفضل كثيرا من التعمق في أنواع النصوص وأشكالها.وأن حفر ثقوب في الرأس من أجل إخراج الشياطين من عقل المختلفين عنك، ليست أفضل الطرق لحل مشاكلنا.فعندما يبدأ كلامنا من وعي الآخر، مستندين على قيم مثل الانصات وحسن العبارة ولطف التناول، نكون بذلك قد قطعنا شوطاً طويلاً في حسن البدايات، التي تؤدي إلى حسن النتائج، والطمي واحد والثمر ألوان.في ورشة مدتها ساعتان تكلمت بمجموع 15 دقيقة والباقي كنت أنصت فيه لوعي الرقيب ومقارباته، التي تتفجر بين الكلمات لتخطفني أحيانا نحو مدى التقارب بيننا، حتى ينبهني صديقي أحمد عوض حول هدف الورشة، فاستعيد توازني الانفعالي.أريد أن أشكر وزارة الإعلام على هذه المبادرة، نحو تفعيل أهمية الشراكة المجتمعية للمشاركة في إدارة الرقابة على الكتب، وتحميل الناس مسؤولية ما يقرؤون، وتنظيم حلقة تعارف بين مَن يعتقد أن الخيال أهم من المعرفة، وبين مَن يعتقد أن المعرفة أهم من الخيال، بالإضافة إلى مَن يعتقد أن الاثنين يعملان ويتشاركان معا في الوقت نفسه.تعرّفت على شباب وشابات في إدارة الرقابة، لا تنقصهم الثقافة ولا الاطلاع بقدر ما ينقصهم المنظومة كلها... ضوابط إدارية تتعلق باتخاذ القرار المستنير، وإيجاد معايير ناظمة يشارك فيها المجتمع لكي تقع عليه مسؤولية ما يقرأ وما لا يقرأ، إشكالية في المنظومة لا علاقة للموظفين فيها، لأن البلد كله «ماشي جذي».هذه هي النصيحة التي من الممكن أن أقدمها لوزارة تعمل في حكومة.أما نصيحتي لبعض الكتاب والروائيين، فهي أنه من المعيب في خيالك أن تعتقد أنه يجب أن يكون الحائط الذي يفصل بينك وبين الرقيب منيعاً بما يكفي، لكي لا تتهم أنك متعاون مع الرقابة وصاحب فكر منغلق.فإن قيماً جميلة - مثل النوايا الحسنة والمشاركة والحوار وتقبل الآخر، التي تظهر لنا في الروايات والأعمال المسرحية والخواطر النثرية والشعرية - إذا كانت بمعزل عنا كالنجوم ولم تمارس في الواقع، فهذا يأخذنا نحو أدب يحث على البكاء لمصير آنا كارنينا في رواية تولستوي وهي شخصية وهمية؟ والتأثر حد الانهيار بمصير الشاب فيرتر في رواية غوته بينما يعزز الغرور والجلافة مع مَن حولنا.شكرا للمستشار عبدالعزيز الجناحي على إتاحة هذه الفرصة التطوعية لي، وشكرا لموظفي الإدارة الذين تطوعوا للجلوس بعد ساعات الدوام الرسمي.سؤال من درجتين:إذا كنت رقيباً على الروايات، فهل تمرر أم تمنع أم تتوقف مع هذه العبارة مع ذكر الأسباب؟قصة قصيرة:عندما يتحرر الرقيب من سلطته، سيخبرك عن نفسه.وعندما يتحرر الكاتب من سطوته، سيستمع بدلاً من أن يحكي.@moh1alatwan
مقالات
خواطر صعلوك
لكي لا تحتكر الدولة الخيال!
05:23 ص