من حق رجال الدولة الكبار الذين خدموا في الحقل العام طوال سنوات ان يرتاحوا لدى بلوغهم سنّا معيّنة. الراحة مكافأة لمثل هؤلاء الرجال الذين تجاوزوا الثمانين من العمر والذين أدّوا خدمات كبيرة لبلدهم. دفعت تونس في بداية ثمانينات القرن الماضي ثمنا كبيرا لرفض الرئيس الحبيب بورقيبة، الذي وضع الأسس لدولة حديثة، الانسحاب من الحكم. أصرّ على الاحتفاظ بالرئاسة بعدما تقدّمت به السنّ ولم يعد يمتلك كلّ قدراته العقلية والجسدية وصار أسير مجموعة من النساء من أقربائه وعدد من كبار موظفي القصر الجمهوري... في النهاية، تحتاج الدول الحديثة الى قادة شباب يتمتعون بالقدرة على العمل الدؤوب ومتابعة كلّ الملفات المهمّة، خصوصا الاقتصادي منها، فضلا بالطبع عن التكيف مع التغييرات التي تجري في هذا العالم.بلغ الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة الـ 81 من العمر وهو مقعد منذ العام 2013. يشبه وضع بوتفليقة الى حد كبير وضع بورقيبة في السنوات الخمس وحتّى العشر الأخيرة من حكمه. الأكيد انّ الرئيس الجزائري لم يفقد كلّ القدرة على التفكير والتركيز مثلما فقد القدرة على الكلام بسلاسة. لكنّ الثابت انّ الرجل الذي أعاد الامل الى الجزائر بعد توليه الرئاسة في العام 1999 لم يستطع النجاح حيث كان مفترضا ان ينجح وان يحقق انجازا فعليا. سقط في امتحان نهاية عهده، تماما كما سقط قبله بورقيبة الذي خلعه ثلاثة من كبار الضباط على رأسهم زين العابدين بن علي. ازاح الثلاثة بورقيبة مستندين الى «أسباب طبية». كان ذلك في مثل هذه الايّام من العام 1987. كان ضمان انتقال السلطة بطريقة حضارية، استنادا الى الدستور، المكان الذي يستطيع فيه بوتفليقة تحقيق انجاز كبير ودخول التاريخ من ابوابه الواسعة. لم يستطع، بكل بساطة، إيصال الجزائر الى مرحلة التداول السلمي للسلطة بعيدا عن فكرة «الرئيس لمدى الحياة» التي دمّرت السنوات الأخيرة من عهد بورقيبة. كان بلوغ الجزائر مرحلة التداول السلمي للسلطة، بمثابة انقاذ للبلد واستكمال لما بدأ في 1999. بكلام أوضح، كان مفترضا في رجل مثل بوتفليقة ان يضع الأسس لتطوير النظام الجزائري من جهة وإظهار انّ هذا النظام قادر على تطوير نفسه من جهة اخرى.لم يكن اعلان جمال ولد عبّاس، الأمين العام لحزب جبهة التحرير الوطني، وهو الحزب الذي بقي طويلا الحزب الحاكم، عن ان لا خيار آخر غير ترشيح بوتفليقة لولاية خامسة بمثابة مفاجأة. كانت المفاجأة في الإعلان عن تبني ترشيح شخص آخر لموقع رئيس الجمهورية في الانتخابات المتوقعة بعد نحو ستة اشهر.منذ انتخب رئيساً في 1999، حقّق بوتفليقة الكثير للجزائر. كان لجوء المؤسسة العسكرية اليه خياراً موفّقاً. استطاع تضميد الجروح، كذلك، لعب دورا في تحقيق نوع من المصالحة بعد سنوات عشر عجاف. في عهد بوتفليقة، عاد الامن والأمان الى معظم انحاء الجزائر. كان متوقعا ان يؤسس لمرحلة جديدة بالفعل انطلاقا من التجربة التي مرّ فيها شخصيا بين 1979 و 1999. شهدت تلك التجربة اضطراره الى العيش في المنفى طويلا بعد توجيه اتهامات اليه بارتكاب مخالفات مالية في اثناء توليه موقع وزير الخارجية في عهد هواري بومدين، بين 1965 واواخر 1978. قضى بومدين إثر مرض عضال بعدما أدخل الجزائر في متاهات كانت في غنى عنها. من بين تلك المتاهات «الثورة الصناعية» و«الثورة الزراعية» و«التعريب» الذي جعل الجزائريين ينسون الفرنسية من دون ان يتعلموا العربية على يد «الاخوان المسلمين» المصريين او مدرسين فاشلين من اتباع البعث او ما شابهه جاؤوا من سورية والعراق. غابت البديهيات عن رجل مثل بومدين، كان من دون شكّ نظيف الكفّ ووطنيا جزائريا الى ابعد حدود. كانت مشكلته في انّه لم يفهم يوما معنى التخلي عن عقد وأوهام كثيرة ورث بوتفليقة قسما لا بأس به منها. أراد بوتفليقة ارتداء ثوب بومدين متجاهلا انّ كلّ شيء تغيّر في الجزائر وان النظام الذي أقامه هواري بومدين كان مقبولا في مرحلة معيّنة. كانت أموال النفط والغاز كافية للتغطية على كل الأخطاء التي ارتكبها حاكم الجزائر بين 1965 و1978، بما في ذلك الاعتقاد انّ في استطاعته قيادة العالم الثالث. لم يدر في أي وقت انّه لم يكن سوى أداة استخدمت في اللعبة التي كان الاتحاد السوفياتي يمارسها في اثناء الحرب الباردة...في كلّ الأحوال، اذا كان بوتفليقة لا يستطيع لاسباب كثيرة الاستفادة من دروس تجربة بومدين، ما الذي يمنعه من تفادي الوقوع في الفخّ الذي أوقع فيه بورقيبة نفسه فانتهى «المجاهد الأكبر» بالطريقة التي انتهى بها، أي اسير بيته في المنستير. انها عقدة السلطة من جهة والسقوط في اسر الحلقة الضيقة المحيطة بالرئيس من جهة أخرى. عندما يتقدم الانسان في العمر لا يعود قادرا على اتخاذ قرارات تتسم بالحكمة.كان على بورقيبة الانسحاب من الحلبة السياسية قبل ان يتقدم به العمر وقبل ان يصبح اسير سيدات القصر. كان اسير زوجته الثانية وسيلة بن عمّار التي ما لبث ان طلقها ثم قريبته سعيدة ساسي. تسبب تقدم بورقيبة في السنّ وفقدانه القدرة على اتخاذ القرارات السليمة في الانقلاب الذي نفذه زين بن علي مع رفيقين له احدهما الحبيب عمار. يبدو بوتفليقة حالياً في وضع شبيه بذلك الذي كان عليه بورقيبة. الفارق ان شقيقه سعيد بوتفليقة حلّ مكان سيدات القصر. الفارق الآخر انّ هناك وعيا في القصر الرئاسي الجزائري لامكان حصول انقلاب عسكري. لذلك شهدت الأسابيع القليلة الماضية تغييرات كبيرة على صعيدي المؤسستين العسكرية والامنية. يريد بوتفليقة، او على الاصحّ، أولئك الذين يمسكون بالسلطة واختام الرئاسة في الجزائر قطع الطريق على العسكر. هذا ما لم يستطع القيام به في 1987 أولئك الذين كانوا يشغلون مواقع مهمّة في تونس مثل محمّد الصيّاح وغيره.كان على بورقيبة الانسحاب باكراً في وقت كان يمتلك كلّ وعيه وقدراته العقلية والجسدية والّا يترك عقدة السلطة تتحكّم به. كان على بوتفليقة ان يفعل ذلك أيضا. صار هناك ما يجمع بين الرجلين على الرغم من الفارق الكبير بين شخصيتيهما. بورقيبة كان زعيما حقيقيا ولم يصعد في ظلّ احد كما الحال مع بوتفليقة الذي اعتبر نفسه دائما الخليفة الشرعي لبومدين. هذا لا يمنع الاعتراف بأنّ ما تشهده الجزائر حاليا تعبير عن ازمة عميقة لنظام اعتمد على بوتفليقة من اجل إنقاذه. اذا ببوتفليقة يعمل كلّ شيء من اجل الّا تقوم للنظام قيامة في يوم من الايّام...