انفجرت من الضحك ثم شققت جيوبي من البكاء.أما الضحك فكان من حلقة يوتوبية للبرنامج الجميل «الدحيح» الذي يقدمه الشاب المبدع أحمد الغندور، والذي ذكر فيه أن عالم النفس في جامعة ستانفورد، ولتر ميتشل قام بتجربة غريبة من نوعها، حيث أراد أن يقيس قدرة الأطفال على مقاومة المتع الفورية والرغبات والانية، فوضع أمامهم صحناً فيه قطعة «مارشميلو» ثم طلب منهم التحديق فيها وقال لهم:- تستطيع أن تأكلها الآن، ولكن إذا انتظرت ربع ساعة ستأخذ قطعتين.وبعد أن طبق التجربة على 600 طفل بعمر أربع سنوات لاحظ أن 50 في المئة منهم أخذ القطعة و50 في المئة قرر أن ينتظر.وكاد المقال ينتهي هنا، لولا أن هذا العالم الغريب قرر بعد تقاعده أن يلاحق الأطفال نفسهم، الذين وقعوا في التجربة قبل خمسين سنة ليصدر كتابه الأخير عام 2014 والذي اسماه «اختبار المارشميلو»، حيث حاول أن يثبت فيه أن الأطفال الذين رفضوا أكل قطعة المارشميلو وأجلوا المتعة اللحظية القصيرة، من أجل مكاسب مستقبلية أكبر، هم الأشخاص الذين يعيشون حياة زوجية وصحية جيدة ومستوى اجتماعي ووظيفي جيد، وغير مدمنين على الكحول ويستمتعون بكل حفلات الشواء في الحدائق المفتوحة.أما الذين أكلوا المارشميلو فهم رعاع المواطنين المتسولين في عملهم، ولا يدفعون ضرائبهم مبتسمين ملء أفواههم، ولا يرقصون على الأغاني الوطنية في الأعياد وغير مخلصين لزوجاتهم في المنازل... هذا إذا كانوا يملكون منازل! وهذا لأنهم استعجلوا الأكل ما يعني أنهم يفضلون المتع اللحظية على الخطط المستقبلية. هذه هي الدراسات العلمية عزيزي القارئ التي يعتمد عليها كل الذين يلومون الفقراء على فقرهم، فبدلاً من القضاء على الفقر والعوز وغياب التنمية والعمران والتدريب والتأهيل... يتم القضاء على الفقراء أنفسهم معتبرين أنهم تسرعوا وأكلوا المارشميلو!وكاد عزيزي القارئ أن ينتهي المقال هنا، لولا أني تذكرت أنه يجب أن أبلغك بما جعلني اشق جيبي، وانفجر من البكاء حيث جاءني ذاك الرجل من هناك وجلس بجانبي، وطلب مني أن ابحث له عن عمل، وأقسم لك بالله أنه من الذين رفضوا أكل المارشميلو رغم عدم وجودهم في التجربة العلمية الفريدة من نوعها، ولكنه من الموجودين في تجربة الحياة حيث كان يعمل ويدرس في الوقت نفسه حتى حصل على الشهادة الجامعية كمحاسب، ليكتشف أنه أصبح «عامل قهوة» يحاسب زبائن يفتقدون أدنى مهارات الذوق في التعامل مع رجل في منتصف الأربعينات، متزوج ومخلص لزوجته ويرقص على الأغاني الوطنية ويدفع الرسوم المطلوبه منه وهو يضحك ملء شدقيه.حسب كثير من الدراسات التي لا أذكرها الآن فإن أكبر هم وهاجس للشباب العربي والخليجي على السواء هو الحصول على وظائف براتب جيد بعد أن استيقظوا صباحا ًلمدة 18 سنة وتعلموا وتخرجوا وهم محافظون على أنفسهم من أكل أي قطعة مارشميلو في طريقهم، ورغم ذلك فنسب البطالة تصل إلى 27 في المئة وأكثر من ذلك في كثير من الدول.وهناك 45 في المئة من لاجئي العالم هم عرب ومسلمون وجدوا أنفسهم في الشارع رغم أنهم لم يروا المارشميلو أصلا!إن أي دراسة علمية تعمي أبصارها عن طيور الرخ التي تلد صغارها فوق قمم الجبال والأشجار، لكي يقتاتوا على مَنْ هم أسفل منهم... هي دراسة أشبه بالوعظ الديني ضد لعب القمار وشرب الكحول بين صديقين جالسين تحت مظلة على الشاطئ.@moh1alatwan