لستُ من محبي مشاهدة التلفاز منذ زمن، وحين أديره، غالباً لأني أترقب مقابلة تلفزيونية مهمة أو مناظرة ما أو لأبحث عن فيلم وثائقي، أو لأني بحاجة إلى «حس» ونور التلفاز فقط. أما الأفلام السينمائية، فاعتدت مشاهدتها على متن الطائرات أو في دور السينما أو في تجمعات الأهل والأصدقاء التي يطلق عليها Movie Night. لكنني في أوقات نادرة أخالف المعتاد، ومنها عطلة عيد الأضحى التي امتدت على مدى عشرة أيام، ولأننا على غير العادة لم نسافر، شعرت بالحاجة للانغماس في عالم الأفلام.بدأت بفيلمٍ وثائقي تم إطلاقه في الذكرى العشرين لوفاة الأميرة ديانا سبنسر، يعرض لقطاتٍ حقيقية بينما يسمع المشاهد صوتها وهي تحكي عن حياتها الشخصية، مشاعرها وأوجاعها التي كان أكبرها زواجها من الأمير تشارلز. كان فيلماً مؤلماً بحق. شاهدت بعده فيلم «كبرياء وتحامل» وهو فيلم درامي رومانسي كلاسيكي أنتج عن رواية الكاتبة البريطانية جين أوستن، فيلم يحرك المشاعر بشكلٍ عميق أيضاً، وليس الجميل منها فقط.شعرت بعدها بحاجة ملحة للخروج من ماراثون «الدراما» هذا، وبأن الجرعة كانت كثيرة علي. أردت شيئاً بسيطاً، عفوياً، جميلاً فطرقت باب طفولتي وقررت مشاهدة الرسوم المتحركة تحديداً فيلم ديزني «بينوكيو»، الطفل الخشبي ذو الأنف الطويل.. بدأ الفيلم بصرصارٍ يرتدي ملابس ويعتمر قبعة ويحكي قصة صانع الدمى الذي تسلسل إلى بيته وشاهده يحاور قطته وسمكته وهو يصنع «بينوكيو» ومن ثم يحركه ويرقص معه ويشاركهما الرقص القطة والسمكة..ضحكت وسألت نفسي وقتها: كيف كنت أصدق ذلك كله؟ لكنني أدركت بعدها، بأن الجمال كان يكمن في ذلك، في طفولتنا التي نبحث عنها ونشتاق إليها، حين كل شيء كان بسيطاً، حين كنا نعيش بعفوية وبراءة وخيال وحب، حب لكل شيء وكل أحد. ولم نكن نعرف ما نعرفه اليوم عن العالم، ولم نمر بكل ما مررنا به.كم كان جميلاً ذاك الزمن. حين أكبر همومنا كانت عدم رغبتنا بالذهاب إلى المدرسة أو كوننا مرغمين على النوم باكراً، حين كانت أكبر مخاوفنا الخرافات الفلكلورية كـ«حمارة القايلة» و«الطنطل» و «السعلو» أو حتى الوحش المختبئ في خزانتنا أو تحت أسرتنا، حين كنا نعتقد بأن «جنية الأسنان» فعلاً ستحقق أمانينا حين نترك لها آخر ما وقع من أسناننا تحت الوسادة قبل أن ننام، حين كان نتقمص شخصيات أبطالنا المفضلين ونرتدي أزياءهم ونصدق بأننا أصبحنا هم، حين كان المنجى الوحيد من بحر «اللافا» أو الحمم البركانية المتهيأة هو وسائد الأرائك التي نرميها على أرض المنزل ونقفز فوقها.كنا نصدق كل شيء، ونستمتع بهذا التصديق. كان لنا في الخيال حياةٌ فعلاً.وأدركت.. لم تكن درامية الأفلام كثيرة علي، بل ما هو كثيرٌ علي هو ما أعرفه اليوم وما سأعرفه غداً وما عشته وسأعيشه.. ويبقى السؤال: لِم كبرنا؟ فكم كانت الحياة خالية من التعقيد.