ما يمكن أن يقال في آخر الكلام، ينبغي ألّا يقال أوله.قرأت مقالاً غاية في الروعة والرشاقة يريد أن يقول بكل اختصار إن من واجب الحضارة أن تمد الإنسان - أي إنسان - بالتنمية وتحسين الحال والأفكار البديلة، لكي يستمر في السير على قدمين، فإذا فشلت كل الحلول واكتشفت الحكومات أن خطط تنميتها وأفكارها الاقتصادية غير فعالة في ذلك، وأن الإنسان لا يستطيع أن يأكل الخطط الخمسية والرؤى الثلاثينية... فعليها على الأقل أن تقدم له الخبز لا أن ترفع عنه الدعم.إنه مقال رائع بعنوان «إنه لمن المكلف أن تكون فقيرا» لكاتبته باربرا ارينريتش.تشير الكاتبة إلى أنه منذ خمسين عاماً، قام الرئيس ليندون جونسون باتخاذ خطوة غير مسبوقة، حيث أعلن الحرب على الفقر وقال إن أسلحته الرئيسية في هذه المعركة هي «تعليم أفضل وصحة أفضل ومنازل أفضل وتدريب افضل وفرص عمل أفضل» لكل أولئك الذين أهملتهم اليد الخفية التي أطلقها أدم سيمث.وبدأت أميركا في عام 1964 بصب بعض مواردها في الاتجاه الصحيح للمرة الأولى منذ نشأتها.يبدو أن الرئيس جونسون هو من أسس المبدأ القائل بأن مسؤولية الحكومة هي التدخل من أجل الفئات المحتاجة والمحرومة، ولكن هذه الحرب على الفقر حفزت ردود أفعال عنيفة من المفكرين والسياسيين المحافظين المتخمين بالشحم المترهل والمتراكم عبر أموال المحتاجين، وذوي الاحتياجات الخاصة ليس بسبب الإعاقة ولكن بسبب فقدان الإعالة.فمن وجهة نظرهم أن البرامج الحكومية لا يمكنها فعل شيء لمساعدة الفقراء، لأن الفقر ينبع من النفسية غير السوية للفقراء أنفسهم، فهم يرون أن الفقراء متكاسلون وغير متحملين للمسؤولية وميالون للإدمان. ولديهم العديد من الأطفال ويفشلون في الزواج. لذا عندما يعانون من الحرمان الحاد من المواد الأساسية أو إذا نفذت أموالهم وتم إلقاؤهم في الشوارع أو من النوافذ... فهم المسؤولون عن ذلك!وفي عهد ريغان أصبح من المبادئ الأساسية لايديولوجيا المحافظين، أن الفقر لا ينتج عن الأجور المنخفضة ولا البطالة ونقص الوظائف والتعليم، إنما بسبب المواقف السيئة وأساليب الحياة الخاطئة للفقراء.وبناء على هذه النظرية استمر المثقفون والسياسيون يلقون باللوم على الفشل الشخصي والعادات السيئة للفقراء، حتى الخمسين عاماً الماضية على الأقل.ولكن في الأزمة الاقتصادية الأخيرة انضم ملايين الناس إلى مراتب الفقر رسمياً - ليس فقط العمال الذين تم تسريحهم ويتقاضون معاشاً ضئيلا كعمال المناجم مثلا، ولكن أيضا عمال ومديرو المصانع التي تم خفض عمالتها والمحامون السابقون وغيرهم من المهنيين الذين كانوا مرفهين في السابق، ومتعلمون ويعملون بجد ويملكون أحلام الطبقة الوسطى، لينتهي بهم المطاف وهم يسعون للحصول على كوبونات الطعام المخفض ويظهرون في الملاجئ، ويتقدمون لوظائف لا تتطلب أي خبرة.تصرخ كاتبة المقال وهي تقول:- أن تكون فقيرا فهو شيء باهظ الثمن أكثر من أن تكون غير فقير!فإنك إذا لم تستطع توفير إيجار الشهر الأول ومبلغ التأمين الذي تحتاجه من أجل تأجير شقة، فستجد نفسك عالقا في نزل سكني باهظ الثمن، واذا لم يكن لديك مطبخ أو حتى ثلاجة أو موقد، ستضطر لشراء الطعام من المطاعم وهو خيار سيئ، وإن احتجت قرضا كما يفعل معظم الفقراء سينتهي بك المطاف بدفع سعر فائدة أعلى أو رهان أغلى ما تملك، وفي وظيفتك ربما لا يسمح لك بأخذ إجازات مرضية، وإذا فعلت قد تفصل أو قد يخصم من راتبك وكثير من شركات القطاع الخاص تفعل ذلك مع الفقراء.تصرخ الكاتبة مرة أخرى وهي تقول:- لقد حان الوقت إلى إحياء فكرة المسؤولية القومية الجماعية عن الفقراء الموجودين بيننا، والذين معظمهم من النساء خصوصاً السود، ويجب توفير تعليم أفضل وصحة أفضل وتدريب أفضل ومساكن لائقة.والآن عزيزي القارئ، أعد قراءة المقال واستبدل كلمة «الفقراء» بكلمة «البدون»، ربما تكتشف كم نحن متشابهون في هذا العالم. فكما قلت لك، ما يمكن أن يقال في آخر الكلام ينبغي ألّا يقال أوله.@moh1alatwan