ما أحوجنا اليوم أكثر مما مضى إلى التسامح، هذا الخلق الجميل، ليطهر قلوبنا من البغضاء، وأرواحنا من الشحناء، ونفوسنا من الضغائن، وليجمع بيننا فلا نتخالف، ويقرب بيننا فلا نتباعد، ويحببنا إلى بعضنا فلا نتباغض، ويصل بيننا فلا نتقاطع.لا شك ان المتسامح يقيم علاقة إيجابية مع الآخر ويدفع المرء إلى ان يكون حضاريا متسامحا في مواجهة أخطاء الآخرين وزلاتهم، وبصورة خاصة حين يكون التسامح عفواً عند المقدرة أو إشعال شمعة من المحبة والسلام في قلب من يخطئ التعامل مع الآخر ويخرج عما يتعارف عليه المجتمع.والتسامح، كموقف من الآخر، واحترام الرأي والرأي الآخر ليس بجديد. فقد ظهر مع الأديان السماوية خصوصاً المسيحية والإسلام واديان أخرى دعت إلى التسامح، ولكنه برز كمفهوم اجتماعي وثقافي وسياسي في العصر الحديث وفي سياق التحولات البنيوية العديدة التي ظهرت في عصر الحداثة والتنوير والتقدم الاجتماعي ومبادئ حقوق الإنسان، والتي قامت على أنقاض مجتمعات العصر الوسيط وفي سياقات الصراع بين الدول القومية والدولة الدينية والاضطهاد الديني ومحاكم التفتيش في أوروبا التي أججت نيران الحروب.وتكمن قوة التسامح في مبدأ ان تعيش وان تترك الآخر يعيش حياته بسلام. وبهذا يصبح التسامح طريقاً للتعايش السلمي مع الآخر واحترامه. كما تظهر قوة التسامح عادة في ردود الفعل ضد السلوك العدواني، الذي ينتج عن تصريحات أو تعبيرات أو مواقف غير مقبولة واتخاذ موقف متسامح منها.ومن أجل ان يكون التسامح ممارسة عملية فانه يحتاج إلى درجة معينة من الانفتاح وسعة الصدر وقبول الآخر والتحاور معه. ففي المجتمع المدني الذي يتصف بالتعدد والتنوع والاختلاف، تتكون هوية جمعية تتخلى عن التعصب العنصري والديني والطائفي والثقافي، ولكن بشروط عدة يجب توفرها، منها ان يكون الإنسان ملاماً على سلوك مستنكر أو غير مرغوب فيه، والا يسمح للملام بالاستنكار أو ان يعتبر ما قام به سلوكا طبيعيا، والا يخلط بين السلوك الملام عليه والاستنكار. والواقع يجب الّا يكون التسامح واجبا، لأن على المرء ان يميز بين التسامح الإيجابي والتسامح السلبي. كما ان التسامح ليس ترفاً فكريا، بقدر ما هو شرط أساسي لخلق مجتمع منفتح يؤمن بالتعددية والديموقراطية وكذلك بالخصوصية ويحترم الآخر وينظر إلى الاختلاف كعامل إغناء لحوار الحضارات وليس كخطر على الهوية. والسؤال هنا هل هناك حدود للتسامح؟ ومتى نتسامح ومتى نوقف الآخر المعتدي عند حدود يجب الا يتخطاها؟ ان حدود التسامح تبدأ عندما يكون القانون قويا ومحترما ومطبقا، ويكون الأفراد متحررين من هاجس الخوف والقهر والاستغلال. ولذلك تصبح له قوة نسبية وقيمة اجتماعية وأخلاقية في مجتمع مدني يحترم ويصون حقوق المواطنين. كما ان هنالك تسامحاً فعالا وآخر سالباً، وعلى المرء ان يميز بين التسامح كفضيلة والتسامح كقهر وإذلال واستغلال للحرية باسم التحرر من المهانة. ويصل التسامح إلى قمته عن طريق قوته النسبية، ولكن على المرء ان يميز في ذات الوقت، بين من يقول: «أنا متسامح»، وبين من يقول: «سأحاول ان أكون متسامحا». فالأول هو قول فعال ويفترض القوة أولا، والثاني يقترب من ان يكون متسامحا. * عضو الجمعية الكويتية للايخاء الوطني
محليات - ثقافة
التسامح ليس ترفا فكريا
09:04 ص