تسعى إيران من خلال تطوير برنامجها النووي، وتقوية ترسانتها العسكرية الى فرض نفسها كقوة اقليمية بارزة في الخليج، ومن خلال تطوير أسلحتها العسكرية والفضائية استطاعت ايران ان تنافس غيرها في مختلف المجالات، وها هي اليوم تعلن عن نجاح تجربة اطلاق ثاني صاروخ الى الفضاء يحمل اسم «كاوشكر 2» واستعادت مسبارا كان ينقله، حيث أفادت محطات التلفزة الايرانية عن نجاح مهام الصاروخ «كاوشكر 2» وعودته الى الأرض بمظلة خاصة بعد 40 دقيقة من اطلاقه ولكن من دون الدخول الى تفاصيل أخرى، كان الصارخ شبيها بصاروخ «شهاب 3» الباليستي الذي له قدرات فائقة أيضا، ومن مميزات هذا الصاروخ انه يتكون من ثلاثة أجزاء: صاروخ اطلاق + مختبر فضائي يهدف الى الاختبار واجراء تجارب + جزء منه مصمم للعودة الى الأرض، وسبق لايران أن أعلنت عن نجاح تجربة اطلاق أول صاروخ فضائي كان يحمل اسم «كاوشكر 1» والذي وصل ارتفاعه إلى 200 كيلومتر في شهر فبراير الماضي، اما في شهر نوفمبر الماضي فقد اختبرت ايران صاروخا جديدا يحمل اسم «سجيل» تيمنا بالحجارة التي رمت بها طيور الأبابيل في عام الفيل وهو صاروخ «أرض - أرض» من الجيل الجديد ويبلغ مداه الى 2000 كيلومتر تقريبا، ويعمل على مرحلتين ومحركين ويستخدم الوقود الصلب وله مميزات هائلة في ضرب رأس العدو مباشرة وتؤكد مصادر على انه قادر على اصابة اسرائيل.
تفضل ايران عند اجراء أي عملية عسكرية أو فضائية بألا تكشف عن أي تفاصيل حول التقدم الفعلي في مجال التكنولوجيا والابحاث المتعلقة بها، فضلا عن عدم نشر أي معلومات حول مدى الصواريخ الباليستية أو كيفية نجاح التجربة، لذلك يشك الخبراء الغربيين في صحة المعلومات التكنولوجية بهذا الخصوص، وفي المقابل أعلنت «الوكالة الدولية للطاقة الذرية» ان ايران انتجت نحو 630 كيلو واطا من اليورانيوم المتدني التخصيب وهي النسبة القريبة لانتاج كمية من اليورانيوم العالي التخصيب لصنع القنبلة الذرية! لذلك تشكك في الطابع السلمي لبرنامج ايران النووي، هذا وقد أعلنت ايران رسميا عن تشغيل أكثر من خمسة آلاف جهاز للطرد المركزي لتخصيب اليورانيوم من دون أي تراجع عن تعليقه ولو لفترة زمنية موقتة!
وستواصل تركيب أجهزة الطرد المركزي، وتخصيب اليورانيوم حتى تنتج الوقود النووي اللازم لمحطات الطاقة في «مصنع ناتانز» التي ستؤسسها في المستقبل القريب، اما من حيث الخلاف بمفهوم النشاط النووي الايراني فإيران ترى ان على «الوكالة الذرية» ان تدرس الملف الخاص عن بلادها وفقا للحقائق والعدالة كونها تجد ان طريقها سليم مبني على عدم وجود أي انحراف في نشاطها النووي السلمي. في أغسطس الماضي تم اطلاق المسبار «السفير» المخصص لحمل القمر الصناعي «أميد» وهو خاض بالابحاث العلمية، كما انها تدشن غواصة بحرية خفيفة تسمى بـ«الغدير»، فضلا عن تدشين بارجيتين «كلات»، و«درفش» وهما صناعة محلية أيضا بالتعاون مع وزارة الدفاع والقوات المسلحة وسلاح البحر في الجيش الايراني، في حين تجري ايران بين فترة وأخرى مناورات عسكرية في مضيق هرمز، وبحر عمان بمشاركة البوارج والغواصات والوحدات البحرية للتدريب ولاختبار قدراتها الدفاعية عمليا، بل وتهدد بمنع دخول القطع البحرية للعدو الى مياه الخليج اذا اقتضت الضرورة! وبهذا التحرك الجديد أسست ايران قاعدة بحرية في ميناء بندر جاسك الذي يقع على بحر عمان، وهي باعتبارها خطوة نحو تعزيز البنية الدفاعية في المنطقة نظرا لحضور القوى الكبرى مع أسلحتها العسكرية في مياه الخليج، فإيران خوفا على مكانتها وموقعها الاقليمي قد اجبرت على اقامة خط دفاعي في شرق مضيق هرمز وبحر عمان للدفاع عن مصالحها عند حدوث أي عدوان محتمل ضدها.
واليوم تقترح ايران على لسان رئيس «منظمة الطاقة الذرية الايرانية» رضا أغازاده على تأسيس «كونسورتيوم» نووي مشترك بين الدول المطلة على مياه الخليج العربي من خلال انشاء وتنمية المحطات النووية العاملة بالماء الخفيف، وهي فكرة وخطوة منها لتطوير القدرة النووية السلمية في المنطقة، وفي آخر تطور بشأن ملفها النووي أكدت ايران على ان بلادها عازمة على انشاء محطات نووية لتأمين الكهرباء، وان «منظمة» الطاقة الذرية الايرانية مكلفة ببناء 20 محطة نووية مدنية او اكثر، ولكنها في الوقت نفسه أبدت استياءها من بعض ا لدول الكبرى ممثلة باجهزة استخباراتها لتدخلها في شؤون بلادها وأبدت امتعاضها من اثارة بعض الصحف الغربية معلومات خاطئة ووثائق غير صحيحة حول أنشطتها النووية الأمر الذي جعل المسؤولين الايرانيين ينفون بشدة حول صحة هذه المعلومات والوثائق موضحين على أنها «ملفقة وعارية عن الصحة»!
تمارس الدول الكبرى ضغوطا غير طبيعية على عمل «الوكالة الدولية للطاقة الذرية» شأن نشاط ايران حول ملفها النووي وهو ما ادى بالتالي الى اطالة امد ملفها النووي، لذلك تتمنى وتطلب ايران بين حين وآخر من «الوكالة» ان تتخذ قراراتها وفقا للدلائل والحقائق لتكون بعيدة عن الاعتبارات السياسية والضغوطات الدولية، هذا وقد أعلن المدير العام لـ «الوكالة» محمد البرادعي بتعذر «الوكالة» حول تأكيد غياب الانشطة والمعدات النووية الايرانية السرية بصورة واضحة وكان ذلك امام «الجمعية العامة للامم المتحدة» أخيرا... فيما حض البرادعي ايران على ان تطبق دونما تأخير كل اجراءات الشفافية المطلوبة منها لتزرع الثقة بين دول مجلس الامن الدولي عن طريق كشف طبيعة وسلمية برنامجها النووي، كما يتطلب من ايران توضيح المسائل المتبقية والعالقة بهذا الشأن، وقد أكدت «الوكالة» أيضا احترام حق ايران المشروع في حماية سرية المعلومات والأنشطة الحساسة ذات الصلة، غير ان ايران في المقابل أوضحت أمام الجمعية العامة ان مطالب مجلس الأمن الدولي حيال تعليق طهران برنامج تخصيب اليورانيوم، غير قانونية، فكيف لها إذا ان تقبل مطالب غير قانونية؟ في حين جدد مجلس الأمن الدولي التأكيد على أهمية مضاعفة مقاربة «عقوبات/حوار» لحمل طهران على التخلص من نشاطاتها النووية الحساسة التي يمكن ان تؤدي الى صنع السلاح النووي، فضلا عن تبنيها أخيرا على 4 قرارات حاسمة من بينها 3 قرارات مترافقة مع عقوبات تطالب ايران بتعليق برنامجها لتخصيب اليورانيوم.
إذاً النفوذ الايراني يزداد في المنطقة عن طريق مضاعفة ترسانتها العسكرية واستمرار نشاطها في تخصيب اليورانيوم وتشغيل الآلاف من أجهزة الطرد المركزي، مع اجراء المزيد من المناورات العسكرية في منطقة الخليج براً وبحرا على الرغم من تغليظ العقوبات الدولية عليها، والسؤال هنا: الى متى سيستمر التحدي الايراني في المنطقة، وهل من الممكن ان تقف عقارب الساعة الايرانية الى هذا الحد، وهل يتوقع من ايران ان تخضع للضغوط الدولية حيال برنامجها النووي؟ ولكل حادث حديث.

علي محمد الفيروز
كاتب وناشط سياسي
alfairouz61_alrai@yahoo.com2