ما إن دَخَلَت المكتب وألقت السلام، حتى عرفت أنني أمام امرأة من قدماء الكويتيات اللاتي تعرضن لجرعات زائدة من الحياء وتوارث الأصول الجامعة للاتزان واحترام الآخرين، ولطافة المنطق وحسن السريرة.إنها من أولئك اللواتي يضعن أيديهن على أفواههن إذا ابتسمن أو ضحكن... حياءً، حتى ولو بلغن من العمر ما بلغن.أنيقة ومحتشمة مع نمط حياة، يبدو أنه بسيط ويخلو من الطموحات الاستهلاكية المفرطة، بالإضافة إلى اتزان في السلوك الاجتماعي تستحق عليه أن تكون حاملة وسام «الفارس» للبسالة والأعمال النبيلة في الحروب ضد الفساد وبناء وإصلاح ما حولها، بشكل قائم على ما يمكن أن تفعله وتقوم به من دون مزايدات أو تهويل.ألقيت السمع، وأنا شهيد على كل كلمة قالتها، حيث بدأت كلامها معي بانتقاد تصرفات بعض الموظفات في الدوائر الحكومية، وكيف أن «المستحى» خف وزنه في السلوك، مع قلة الإنتاج والإنجاز في العمل. ثم انتقلت نقلة فجائية إلى الشأن العام السياسي، وأبدت ملاحظات كثيرة استوقفني منها أنها اعتادت في فترة ما من حياتها أن تراسل المسؤولين في كل الجهات بالرسائل الورقية المكتوبة بخط يدها، لتشرح لهم مشكلة رأتها هنا أو حلاً يمكن تطبيقه هناك أو ظاهرة بدأت بالطنين، ولكنها لم تستفحل بعد في مكان آخر.وفي الوقت الذي ينال الديوك تكريماً تستحقه الصقور، تشعر في كلام هذه السيدة بخيبة الكولونيل عند ماركيز، الذي لم يجد مَن يكاتبه أو يرد عليه رسائله.ولكنها تفاجئني بابتسامة وهي تحفر الذاكرة وتقول: «ذات يوم اتصل بي بوعبدالمحسن الخرافي - الله يرحمه، وكان وقتها رئيس مجلس الأمة، وشكرني بنفسه على رسالة أرسلتها إلى مكتبه»... قالتها وهي تشعر بالامتنان والتقدير، وكأن ذلك الشكر أعطاها مساحة كبيرة جعلها قادرة على المواصلة للاشتباك بالشأن العام من دون وسيط.تسمي الله بطمأنينة، ثم تشرب من الماء الموجود أمامها على الطاولة، وتضيف وقد بدا أنها قد لملمت قناعاتها منذ زمن في حقيبة وأحكمت إغلاقها: «تحدث كل المطالب الفئوية باسم الشعب الكويتي، من دون أن يدري لماذا دائماً يزج باسمه في كل هذا الضجيج، فهل تصدق أننا كدنا أن نصل يوماً ما إلى مرحلة أن يدخل عضو البرلمان القاعة وهو يرتدي قفازات الملاكمة من أجل المشاركة في نقاش من المفترض فيه أن يكون قائماً على الحقائق والإحصائيات والأثر والنتائج وأولويات الشعب؟... ولكن لا شيء من هذا يحدث، ثم بعد ذلك يدعون أنهم يمثلون الشعب الكويتي!... أليس هذا يؤثر في التنشئة الاجتماعية يا بني؟».في الواقع عزيزي القارئ، إنني أحدثك عن مواطنة كويتية لن تجد لها ذكراً في «تويتر» أو «غوغل»، ويمكن اعتبارها من الفرسان المجهولين الذين صبروا طويلاً دونما جزع، وهم يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر حاملين معهم جينات الهوية المليئة بجرعات زائدة من الحياء والأصول الجامعة في الاتزان واحترام الآخرين ولطافة المنطق وحسن السريرة.أقول هذه المواصفات مرة أخرى، معتبراً أن أمثال هذه السيدة، التي كانت تعمل بصمت وتخاطب الجميع بمنطلقات وطنية بعيدة كل البعد عن السعار الوطني والرغبة في الظهور والمنفعة أو الاحتكاك السياسي... ما عادت تجد مساحات كافية في مناخ خانق لا يمكن الإفلات منه، وبقليل من التشاؤم فقط ستكتشف أن خط الإنتاج التربوي الذي كانت تجلياته أم يوسف وكثير مثلها، قد توقف لصالح ثقافة تصنيم الذات والذي كانت تجلياته «ثقافة الصورة».فجأة، ومن دون مقدمات، بدأ الحزن يتسلل إلى ملامحها: «علمتني الحياة أن ألتزم الصمت وأغلق فمي وأحكم الإغلاق... خصوصاً في الفترة الأخيرة. ولذلك، تقاعدت من عملي، ولم أعد أراسل أحداً. في الواقع يا بني، لم يعد أحد يسمع».قالت هذا الكلام وتركتني ورحلت، وكأن ما دار بيننا من حديث لم يحدث على الإطلاق.كاتب كويتيmoh1alatwan@