بعيد انتهاء بطولة كأس العالم 2018 في كرة القدم والتي استضافتها روسيا وتوّجت فرنسا بقلبها على حساب كرواتيا في المباراة النهائية بنتيجة 4-2، شرعت الأندية الأوروبية، على وجه الخصوص، في عملية ضم اللاعبين بغية رصّ الصفوف استعداداً لموسم المنافسة الطويل.قبل سنوات، خرج قسم البيانات في مانشستر سيتي الانكليزي بدراسة تتعلق بالركلات الركنية بعد أن لوحظ بأن الفريق لا يسجل الكثير من الأهداف منها، وأراد المحللون في النادي إيجاد حل لهذه المعضلة والوصول الى الطريقة المثلى لتنفيذ «الركنيات».قام قسم البيانات بدراسة دقيقة لأكثر من 400 ركلة ركنية من مختلف البطولات حول العالم وعلى مدى مواسم عدة، وتبين له في المحصلة بأن الركلة الركنية الأخطر هي تلك التي تُلعب الى داخل المنطقة (اي التي تلتف فيها الكرة باتجاه المرمى وليس بعكس هذا الاتجاه).معلوم، على هذا الصعيد، بأن من شأن الركلة الركنية الموجهة نحو المرمى أن ترسل الكرة مباشرةً الى «منطقة الخطر». وفي بعض الأحيان، قد يستخدم المهاجم رأسه أو قدمه بسهولة كي يحوّلها الى الشباك. وفي حالات أخرى، يقوم حارس المرمى او المدافع بإبعاد الكرة من على خط المرمى بعد ركلة ركنية «داخلية»، لتصل الى لاعب خصم فيسكنها بسهولة في الشباك. وثمة إمكانية حتى لتسجيل هدف مباشر من ركلة ركنية ملعوبة لولبية، وهو الهدف الذي يُعرف تحت مسمى «أولمبيكو».ليس من المنطقي أن يلعب الفريق، أي فريق، كل الركنيات التي يتحصل عليها باتجاه المرمى، بل يفترض التنويع في تنفيذها بهدف إرباك الخصم، وهو ما يسمى بـ «الاستراتيجية المزدوجة».لكن في المجمل، وجد المحللون في «سيتي» بأن «الركنيات الداخلية» من شأنها أن تفرز أهدافاً أكثر من الركنيات التي تُلعب قوسيّة باتجاه معاكس للمرمى.المهم أنهم حملوا دراستهم وسلّموها الى مدرب الفريق في حينه، الإيطالي روبرتو مانشيتي، الذي استمع اليهم «بكل احترام» قبل أن يقول: «كنت لاعباً لسنوات طويلة، وأنا متأكد بأن الركنيات التي لا تلعب باتجاه المرمى هي الأكثر فاعلية».كان مانشيني على خطأ، لكن من الممكن أن نفهم لمَ أخطأ، إذ إن من شأن الركلة الركنية «الخارجية» ان تؤدي الى تسجيل هدف رائع، وتحديداً من رأسية قوية للاعب داخل منطقة الجزاء، مع التسليم بأن الأهداف الجميلة ترسخ في الذاكرة على عكس معظم الأهداف التي تسجل من ركنيات «داخلية».في البداية، بقي مانشيني متمسكاً بقناعاته، ولكن في العام 2011 عندما بدأ «سيتي» يعاني جدياً من الركنيات، توجه مساعده في ذلك الحين، الدولي الانكليزي السابق ديفيد بلات، الى قسم البيانات في النادي، فأطلعه المحللون على تفاصيل الدراسة.لم يتلقَّ القسم أي جديد من الجهاز الفني، إلا أن أفراده لاحظوا بأن الفريق بدأ يعتمد أكثر على الركنيات التي تلتف نحو المرمى على حساب تلك التي تذهب في الاتجاه المعاكس.وفي الموسم 2011-2012، سجل «سيتي» 15 هدفاً من الركلات الركنية، أكثر من أي فريق آخر في الدوري الممتاز. واللافت أن 10 منها سجلت من ركنيات «داخلية»، بما فيها الهدف الذي جاء من رأسية البلجيكي فنسان كومباني في مرمى مانشستر يونايتد والذي ضمن فعلياً اللقب للـ «سيتيزنس» على حساب «الشياطين الحمر».ولكن ما علاقة انتقالات اللاعبين بهذه الدراسة؟إن الزجّ بهذه الدراسة هنا جاء للإشارة الى المكان الذي وصلت اليه كرة القدم، إذ بات كلُ ما هو مرتبط بها، قائماً على أرقام وإحصائيات، حتى اللاعبين أصبحوا جزءاً من هذه الارقام.كرة القدم باتت «أكثر ذكاءً»، ولا شك في أن المحللين الذين يتواجدون في الأندية كافة، الكبيرة منها والصغيرة، بهدف استخراج «بيانات المباريات»، أصبحوا جزءاً لا يتجزأ من النقلة التي تعيشها اللعبة الأكثر شعبية.باتت الأندية تعرف «كل شيء»، مثل نسبة التمريرات الصحيحة في الثلث الثالث من الملعب، والمسافة المقطوعة من الفريق او من كل لاعب في المباراة أو في أي مرحلة منها، وصولاً الى سرعة كل من لاعبيها في المباراة.هذه الأرقام تلعب، اليوم، دوراً كبيراً في تحديد احتياجات كل فريق لنوعية معينة من اللاعبين، وبالتالي هي من يحرك اتجاهات الأندية في سوق الانتقالات.وعلى الرغم من ذلك، وكما رفض مانشيني في البداية دراسة «قسم البيانات» في مانشستر سيتي بخصوص الركنيات، فإن الكثير من الاندية ما زال يشكك في مدى جدوى الاعتماد على الأرقام.يقول جون كولسون، الذي يعمل في «أوبتا سبورت»، وهي شركة متخصصة في جمع ونشر الإحصائيات الرياضية: «ما زال هناك، ربما، الكثير من الأندية التي تعتبر بأن الأرقام تشكل تهديداً لها، وأنها ليست أدوات بالإمكان استغلالها لتحقيق الفوز في المباريات».