تحدثنا عن خطوات الوصول إلى معاني القرآن وربطه بالسنة الشريفة، فهما المصدر الأساسي للتشريع والشامل لأصول الإسلام؛ ولكن تجد اضطراباً في فهم ذلك عند علماء معاصرين خرجوا عن هذا المنهج في التفسير، فالمعتمد عندهم هو المنهج اللغوي في تحديد معاني الآيات، وأما السنة ليست مفصلة للآيات؛ فالضابط الوحيد عندهم في التفسير هو الجذر اللغوي، وعندما يريدون تفسير كلمة معينة في القرآن يلجؤون إلى القواميس للبحث عن المعنى الأكثر توافقاً مع فكرهم، وعلى سبيل المثال «الصلاة»؛ فإنها تأتي في اللغة بمعنى: الدعاء أو الرحمة، ولكن الشرع حدّد لها معنى شرعياً آخر وهو تلك الفريضة المكتوبة، بما فيها من أقوال وأفعال مخصوصة، قال تعالى: (وَأَقِمِ الصَّلَاةَ)، (فأقيموا الصلاة إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَّوْقُوتًا)، وهي أول ما يُسأل عنه الإنسان يوم القيامة ويُحاسب عليه، ففي الحديث الشريف: (أول ما يُحاسب به العبد الصلاة) فلا نختلف على فرضيتها للأمر بها في القرآن، وتفصيل فروعها وكيفيتها في الأحاديث ولا يدخل في ذلك اجتهاد؛ لأنها من العبادات القطعية، هذا هو التفسير المعتبر. ولكنها عند المعاصرين تعتمد على الجانب اللغوي، وهي نوعان: نوع ورد بفعل (صلى) مثل: (فلا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى وَلَكِن كَذَّبَ وَتَوَلَّى) يقولون:الصلاة هنا لا علاقة لها بقيام وسجود وظهر وعصر ولكنها تواصل بالدعاء، وقالوا ان الله تعالى بين عقوبة من قطع صلته مع الله في قوله: (فَوَيْل لِّلْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ)لأنه انقطع عن الدعاء وليس عن الصلوات الخمس؛ ثم ذكروا النوع الثاني وهي: الصلاة الشعائرية التي أتت مع لفظ القيام: (أقيموا الصلاة) (وأقم الصلاة) فهي حركات فعلية لها فضائل ولكن لم يذكر القرآن أي عقوبة على تاركها؛ فالمراد في رأيهم هو المعنى اللغوي وهو الدعاء، وأما مع لفظ: أقيموا، هو الجانب العملي الذي لا عقاب على تاركه لعدم وجود دليل من القرآن، ولأن المنهج عندهم يرفض الاطلاع على السنة النبوية! ويبقى السؤال: إن كنتم تُقرّون أن لها فضائل، ولكن لا عقوبة على تركها كما في تفسيركم المتطور؛ فكيف لي أن أصليها لأنال الفضل؟ وأين هي الآيات التي تدل على كيفية أداء الصلاة! وكيف أعرف عددها وتفاصيلها إن كان الأخذ بالسنة الشريفة مرفوضاً لا يؤخذ به؟! ولو كان تفسير القرآن من اللغة فقط فإن من ينظر في القواميس العربية سيقف أمام مساحة واسعة من المعاني المتعددة للكلمة الواحدة ولن يصل إلى حكم الشرعي!! برامج التفسير الحديثة والقراءة المعاصرة للقرآن الكريم جذبت الكثير؛ لأنها جاءت بصورة جديدة بعيدة عن المعتاد، وصَفَها بعض المتابعين والمؤيدين بالعقلانية والفكر الراقي حتى لو كان رأي المفسر مخالفاً لقواعد أساسية في علم التفسير؛ لما في أسلوب الداعية أو الباحث من تأثير، يتكلم بثقة وطلاقة لسان ويطرح فكره باحترام ولباقة واتزان وتركيز في صفّ الكلمات يشد المستمع ويجعله يميل إلى قوله حتى لو كان محتواه ضعيفاً أو باطلاً لأنه بذكائه العالي وإبداعه في الحوار صار المشاهد يتفاعل معه. هذه البرامج يتابعها المتعلم والجاهل، وقد تُقنع من يقرأ القرآن بلا معرفة معانيه، وكذلك قد يتغير فكر المتعلم ويقتنع بالتفسير الجديد، بل اليوم لو جلست مع العوام أو من لم يفتح المصحف إلا في أيام تراه يستنبط أحكاماً جديدة ما أنزل الله بها من سلطان وما سمعناها حتى من الدعاة المعاصرين، صار الباب مفتوحاً للجميع وصعُب اليوم غلق هذه الأبواب. يحتاج مجتمعنا إلى تعليم التفسير بصورته الصحيحة، ولا ينجح في ذلك إلا المفسر الذي يجمع الجانب العلمي السليم والأسلوب الراقي، وليس الدعاة الذين يطرحون النصوص والمسائل بلا دقة ذهنية وكأنها سطور محفوظة، وأسلوب فيه شدة ويقدمون بعض العادات والتقاليد على الدين في بعض الأمور. التنبيه لما وصلنا إليه من خلط في العلوم لا تُصلحه التغريدات والتعليقات أو ممن تعلموه بلا تعمق فكري، ولكنها تؤخذ من المؤهلين الذين بدؤوا يختفون عن الساحة..وإلى لقاء قريب.aalsenan@hotmail.com aaalsenan@
مقالات
حروف نيرة
# خطوات... «ولعلهم يتفكرون» (3 - 3)
06:44 م