تذكرت حوارا دار بيني وبين المفكر الدكتور مصطفى محمود يرحمه الله حين زرته عام 2004 مع زوجي وأبنائي في شقته بمدينة المهندسين بدعوة شخصية منه، وكان لقاء تاريخياً غير عادي بالنسبة لي، أحسستُ فيه بالسعادة الكبيرة، لأنني كنت واحدة من القرّاء المعجبين بقصصه ورواياته وكتاباته الدينية والعلمية، وكنت مهتمة بذكائه في فن المناظرة، وأتابع بشغفٍ واهتمام كبيريْن الطرح العلمي والايماني الذي يقدمه في برنامجه الشهير «العلم والايمان»، وكنت أتفحّص كتبه التي تناقش قضايا مختلفة في زوايا الدين والعلم والأدب بعناية شديدة، أقتنع ببعضها، وأتحفّظ على بعضها الآخر.وكان اللقاء به منارةً مهمةً في فضاء المعرفة وبصمة في حياتي، فقد كان حلمي أن ألتقي بهذا العالم الكبير والمثقف العملاق على مستوى العالم أجمع، وتحقق حلمي بفضل الله عز وجل وكم كان متواضعا وودودا ومسترسلا بالحديث معي، كنت في غاية السعادة،وكان أول سؤال طرحته عليه هو: هل كنت ملحدًا كما أشاع بعض الناس عنك ؟ وجاء جوابه سريعاً دون تفكير بقوله: «لم أتشكك قط في وجود الخالق، فكيف أصل بعقلي إلى مرحلة الإلحاد؟ وأنا أراه في كل شيء وفي كل مكان».واستكمل قائلا: «كنت أطرح بعض الأسئلة حول بعض القضايا المثيرة التي لفتت انتباهي وشغلت عقلي، وتعمقت في نقاشها، ولكنني لم أنكر يوما وجود الله عزّ وجل ولا ملكوته ولاقدرته ولاخلقه للكون، هي آراء تناثرت حولي وتوجهت بأصابع الاتهام من دون فهم دقيق لما أقول». وهكذا جاء الجواب الشافي الذي حيّرني وحيّر الكثيرين معي سنوات طوال، وأنا أسمع وأقرأ موضوع إلحاد الدكتور مصطفى محمود يرحمه الله، وجاء الجواب منه شخصياً.وبعدها تعاظم الفضول عندي في هذا الفضاء الشاسع المحفز للتفكر والتأمل في قضايا مهمة أثارها يرحمه الله في كتبه، وطال الحوار، فدخلت في دهاليز فكره بأسئلتي ونقاشي، واكتشفت بأنّ من يختفي وراء تلك الكتب مفكر كبير، يفكر في دقائق الأمور، اجتهد فأصاب وأخطأ، ولكنه لم يلحد أبداً، وما زلت أقول بأنني أختلف معه في بعض الأمور، وقد رحب باختلافي معه يرحمه الله ترحيبا كبيرا بتواضع كبير منه، وهكذا يظل الدكتور مصطفى محمود أحد العلامات العربية الإسلامية المفكرة المهمة، وأحد القامات الإبداعية الرفيعة التي لايمكن لأحد أن يطمسها بمقولات لاتمت له بصلة، وتظل كتبه بصمات ذات بريق أخاذ وأبرزها«رحلتي من الشك إلى الايمان» و«حوار مع صديقي الملحد».ولن أنسى رده على سؤال له الذي قلت فيه: ولماذا لم ترد على من قال بأنك ألحدت ؟ فقال على وجه السرعة:«هناك من العاملين بحقل الصحافة ممن يسعون للشهرة السريعة بإثارة المواضيع التي تصنع منهم نجوما، لذا لم أرد عليهم كي لا أُعلي من شأنهم». وكان ختام اللقاء أن شرفني بكتابة تقديم لمجموعتي القصصية الأولى«ضجيج»وطباعتها بقطاع الثقافة التابع لدار أخبار اليوم، وكذلك تشريفي بكتابه تقديم كتابه الشهير المعادة طباعته«الوجود والعدم». رحم الله الدكتور مصطفى محمود، فقد كان عميق المعرفة بموضوع التواصل بين العلم والإيمان.Haifa@razan.comTwitter: haifaalsanousi