أخذت مباراة صربيا وسويسرا، اول من امس، بُعداً سياسياً اثر طريقة الاحتفال التي جسّدها لاعبا الثاني غرانيت تشاكا وشيردان شاكيري، بعد تسجيلهما هدفين صاعقين ليحوّلا تأخر بلدهما، الثاني، الى انتصار «سياسي» في معركة كالينينغراد. لقد أطلق تشاكا، الذي كان والده معتقلا في السجون الصربية خلال ثمانينات القرن الماضي، صاروخاً بعيد المدى انفجر في الشباك الصربية مدركاً التعادل، وقبل صافرة النهاية، وجّه شاكيري الضربة القاضية مسجلاً هدفاً ثانياً سيخلّد في ذاكرة الصرب، كان بمثابة الصدمة لهم، وربما يكلّفهم توديع المونديال مبكراً، في حال اخفقوا في الفوز على البرازيل في الجولة الثالثة والأخيرة ضمن المجموعة الخامسة. هذا الفوز المجنون، الذي جعل سويسرا أول منتخب في مونديال روسيا يعود بالنتيجة بعد تأخره، دفع بتشاكا وشاكيري، وهما ضمن مجموعة لاعبين في التشكيلة السويسرية لهم أصول من كوسوفو المستقلة عن صربيا، الى الاحتفال بطريقة لافتة من خلال التلويح بطريقة أيدي النسر ذي الرأسين، والتي تعتبر رمزاً لألبانيا الكبرى، في إشارة سياسية واضحة ضد صربيا، في ظل الصراعات التاريخية بينهما، حيث ترفض الأخيرة الاعتراف باستقلال إقليم كوسوفو الذي انفصل قبل عشر سنوات.  وقد يتعرض اللاعبان الى العقوبة لمخالفتهما قواعد الاتحاد الدولي لكرة القدم «الفيفا»، التي تحذّر من اقحام السياسة في الرياضة، حيث يمنع قيام أي لاعب قبل المباراة او أثناء عمليات الاحماء أو أثناء المباراة وبين الشوطين وعقب نهاية المباراة او في المؤتمر الصحافي برفع اشارات سياسية بيده، او التلفظ بعبارات عنصرية وسياسية، او رفع أعلام، أو الكشف عن قمصان تحمل عبارات سياسية ودينية وطائفية. وتبدأ العقوبات من إشهار البطاقة الصفراء وبعده الطرد من الملعب، مع إمكان توقيع عقوبات لاحقة علي من يخالف هذه التعليمات بتوقيع الغرامات المالية، ثم الايقاف لفترة عن اللعب على الصعيدين المحلي والدولي، وأخيرا الشطب النهائي من سجلات ممارسي كرة القدم. طريقة احتفال تشاكا وشاكيري، لم تعجب مدرب سويسرا فلاديمير بيتكوفيتش، وهو بوسني - كرواتي يحمل جوازات سفر سويسرية وكرواتية وبوسنية، فدعا الى «الابتعاد عن السياسة والتركيز على هذه اللعبة باعتبارها رياضة جميلة تجمع بين الشعوب». وسرعان ما رد عليه شاكيري، قائلا: «لا أريد الحديث عن ذلك، فكرة القدم تخرج ما في داخل اللاعب من مشاعر». وتابع: «ما حدث نابع من العاطفة، لأنني كنت سعيدا للغاية بإحراز هدف الفوز، ولا أعتقد أنه ينبغي التطرق لأمور أخرى». ما حدث في كالينينغراد نتيجة الصراعات السياسية والحروب في كوسوفو، يعيدنا بالذاكرة إلى الأحداث التي غلفت مباراة منتخبي ألبانيا وصربيا في التصفيات المؤهلة الى «يورو 2016» في فرنسا، رغم الاعتراض على وضعهما في مجموعة واحدة، ولكن الاتحاد الأوروبي «يويفا» لم ينصت لأحد. وشهدت مباراتهما في الجولة الثانية من التصفيات أحداث شغب بين اللاعبين، بعدما قام جمهور ألبانيا بإطلاق طائرة من دون طيار أعلى الملعب على الأراضي الصربية، وهي تحمل علم دولتهم وكتب عليه «ألبانيا العظمى.. السكان الأصليون»، وهو ما أغضب المهاجم الصربي ستيفان ميتروفيتش الذي مزّق العلم، ليبدأ العراك بين اللاعبين والأجهزة الفنية، ما اضطر الحكم الإنكليزي مارتن أتكنسون إلى إيقاف المباراة. وبصرف النظر عن طريقة الاحتفال السياسي، فقد دخل شاكيري التاريخ، حيث ذكرت شبكة «أوبتا» للإحصائيات، أنه بات أصبح ثاني أكثر لاعب في تاريخ سويسرا تسجيلا للأهداف في كأس العالم (4 أهداف)، ليتساوى مع روبرت بالمان وأندريه أبيغلين، بفارق هدفين خلف جوزيف هوجي. كما التحق شاكيري بمواطنه أدمير محمدي، باعتبارهما اللاعبين الوحيدين اللذين سجلا في كأس الأمم الأوروبية وكأس العالم.«كوسوفو... تحبّكم» كالينينغراد - أ ف ب - هل كانت حركة لاعبي المنتخب السويسري غرانيت تشاكا وشيردان شاكيري عفوية؟ الأرجح كلا. ما ان انطلقت صافرة نهاية مباراة منتخب بلادهما امام صربيا اول من امس، حتى غرد رئيس كوسوفو هاشم تاشي مهنئا اللاعبين وسويسرا على «الفوز المستحق تماما. فخورون بكم! كوسوفو تحبكم!».ليس من المستغرب أن يكون في صفوف المنتخب السويسري لاعبين من أصول ألمانية، فرنسية، إيطالية، وهي اللغات الرسمية الثلاث للجمهورية الفدرالية المكونة من 26 كانتونا، الى جانب اللغة الرومانشية في كانتون غراوبوندن (الى جانب الألمانية).يعكس المنتخب السويسري تنوعا إثنيا غنيا، بدءا من الدفاع مع يوهان دجورو (أصله من ساحل العاج)، وفرنسوا موباندجي (كاميروني) وريكاردو رودريغيز (اسباني-تشيلي)، مرورا بالوسط مع تشاكا وفالون بهرامي (ألباني) وبليريم دزيمايلي (ألبان مقدونيا) وشاكيري وغيرهم. جعل المدرب فلاديمير بتكوفيتش (وهو أيضا من كروات البوسنة) من هذا التنوع «توليفة» منسجمة على غرار التنوع الثقافي والإندماج في المجتمع السويسري.ولقي تصرف اللاعبين انتقادات حادة في الصحافة الصربية، وبينها «بليتش» بنسختها الالكترونية.ورأت الصحيفة أن تشاكا وشاكيري «احتفلا بنجاحهما بـ (النسر الأسود)، علامة الناس الذين يؤمنون بفكرة ما يسمى (ألبانيا الكبرى)»، مضيفة «بعار استفز تشاكا جماهيرنا. بعد قيامه بحركة (النسر المزدوج)، مشيرا بوضوح إلى أصوله الألبانية، كان يركض في الملعب لتصوره الكاميرات».ونشرت صحيفة «فيتشيرنيي نوفوتسي» تحت عنوان «استفزاز السويسريين» صورة كبيرة لحذاء شاكيري «المزين» بعلمي سويسرا وكوسوفو.ونقل تلفزيون «آر تي إس» الرسمي عن مسؤولي الاتحاد الصربي لكرة القدم نية الأخير بتقديم شكوى الى الاتحاد الدولي «الفيفا» ضد الحكم الألماني فيليكس بريتش الذي أدار اللقاء. وذكرت القناة ان الاتحاد الصربي شكا أيضا قبل اللقاء من حذاء شاكيري لكن دون ان يلقى آذانا صاغية.وقال المسؤول في الاتحاد الصربي يوفان سورباتوفيتش «سعينا الى أن يغير حذاءه. كان استفزازا، كنا نلعب ضد سويسرا وليس كوسوفو».ومن جهتها، أشادت الصحف في عاصمة كوسوفو بريشتينا بـ «الظهور الرائع» للاعبين تعود اصولهما العرقية الى ألبان كوسوفو. وكان العنوان المهيمن في وسائل الإعلام في كوسوفو «تشاكا وشاكيري يسقطان صربيا».معلوم ان سويسرا حافظت على حيادها ولم تكن طرفا في أي حرب منذ العام 1815. وانتظرت حتى عام 2002 لتنضم الى الأمم المتحدة للمحافظة على مكانتها كوسيط عالمي، لكن مباراتها ضد صربيا، أعادت نكء جراح سياسية وعرقية واستعادت التاريخ الدموي للبلقان، مع بروز لاعبين سويسريين تعود أصولهم لكوسوفو.