رغم قلة خبرتي في المجال الرياضي، ولاسيما ما يتعلق بقرارات تنظيم البطولات وكيفية إصدراها، فقد لفت نظري ما شهدته جلسة الاتحاد الدولي لكرة القدم «فيفا» يوم الأربعاء الماضي، عندما اجتمعت الجمعية العمومية للاتحاد في العاصمة الروسية موسكو على هامش الاستعدادات لافتتاح كأس العالم- التي تجري مبارياتها حاليا - عندما شهدت الجلسة تصويتا على استضافة البطولة في عام 2026، حيث تنافس على الاستضافة ملفان، الأول عربي تقدمت به مملكة المغرب الشقيقة، والثاني مشترك من ثلاث دول هي الولايات المتحدة الأميركية والمكسيك وكندا، وقد انتهى التصويت إلى فوز الملف المشترك للدول الثلاث على المغرب بواقع 134 صوتا مقابل 65.إلى هنا يبدو الأمر عاديا، وفق المتعارف عليه، حيث يتم التصويت وإعلان الفائز بأكبر عدد من الأصوات، وقد تابعنا الموقف نفسه منذ سنوات، وفرحنا عندما فازت قطر الشقيقة في استضافة نسخة 2022 من البطولة. ولكن غير العادي واللافت للنظر الأجواء التي رافقت التصويت، وما قبلها، وكيف امتزجت السياسة بالرياضة، على الرغم من السعي الحثيث للقائمين على الاتحاد الدولي لكرة القدم لفصل الرياضة عن السياسة، ومعاقبة كل من يخلط بين الأمرين. أما كيف برز الجانب السياسي في عملية التصويت فهذا له جانبان.الاول، تمثل في «بلطجة» الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الذي أقحم السياسة في الرياضة بشكل فج، عندما هدد كل دولة ستصوت ضد بلده في الاختيار بمحاربتها اقتصاديا ووقف المساعدات عنها، ليهرول عدد من دول العالم، ولاسيما العالم الثالث، بالتصويت لملفه خوفا من تهديداته، حتى أن دولا أفريقية كان يفترض أن تصوت للمغرب التي تمثل القارة، تخلت عن ممثلها وصوتت لمصلحة ملف ترامب، خوفا على لقمة العيش. وهذا الجانب ابرز الوجه القبيح للسياسة عندما يتم حشرها في مجالات أخرى، ولاسيما في استخدام السلطة والهيمنة وفرض الأمر الواقع.ولعل هذه القضية أثبتت مجددا أن المنهج الحالي لسياسة العالم أبرز الوجه القبيح إلى السطح بعدما كان يتستر بوجوه مستعارة، ليأتي ترامب ويظهر ذلك الوجه بأقبح ما يمكن، فهو يسير في سياسة بلده وفق رؤية «المقاول» التاجر الذي يريد تحقيق الأرباح على حساب كل شيء، حتى أنه ضحى بعلاقاته مع حلفائه الأوروبيين، في سبيل تحقيق المرابح، وهو ما تجلى في ملفي النووي الإيراني والنووي الكوري الشمالي. ولتوجد سياسة جديدة قوامها «بلطجة المصالح».الجانب الثاني ليس بعيدا في مفهومه عن الأول، وبرز في انقسام الأصوات العربية التي لم تجمع على دعم ملف المغرب، فكان أن صوتت 7 دول لمصلحة الملف الأميركي - الكندي- المكسيكي، في انشقاق واضح للصف العربي، ويأتي هذا التصويت بأبعاد تتجاوز حدود الملعب، إلى الساحة الأكبر في السياسة، ولعل في موقف المغرب من الأحداث التي تشهدها المنطقة العربية، وبالتحديد الأزمات التي مرت ولاتزال على الدول العربية، دورا في تصويت الدول ضده، وخاصة السعودية والإمارات والبحرين والعراق والأردن ولبنان، فيما كان الصوت السابع ضده من الكويت التي تقول مصادر إن ذلك جاء ردا على موقف المغرب من ملف إيقاف الكرة الكويتية الذي استمر لسنوات، حيث رفض المغرب في أكثر من تصويت رفع الإيقاف عن الكويت، لترد الكويت الموقف بموقف مشابه. وللعلم فإن مشاركة الكويت في «كونغرس» الاتحاد الدولي لكرة القدم الأخير يوم الأربعاء الماضي، هو الاول بعد رفع الإيقاف أواخر العام الماضي. وفي ذلك ازداد الانشقاق العربي وتباعدت المواقف التي زادتها السياسة تعقيدا.ولعل تداعيات الجانب الثاني على واقعنا العربي أكثر من الأول، ولاسيما أن القضية اتخذت بعدا شعبيا، فوجدنا في المغرب حملات عبر وسائل التواصل ضد الدول العربية التي صوتت ضد ملفها، ووصلت إلى حد الاتهامات والشتائم في بعض الأحيان، وهذا الامر الذي يزيد من حدة الانقسام العربي، الذي تجاوز الجانب السياسي ليصل إلى الشعبي وهو الأخطر. فكيف نجعل الرياضة التي هي رسالة حب ووفاق وسيلة لزيادة حدة الخلاف العربي وتمزيق المجتمع؟ وأخيرا نقول لكم كل عام وأنتم بخير وتقبل الله طاعتكم.h.alasidan@hotmail.com@Dralasidan