هنا في فندق منعزل مطل على بحر نابل الغافية بدلال على السحاب. الحرارة تعادل 12 تقريبا. حيث ارسم بهدوء. اجمع مادة وملامح كتاب جديد. طال تأجيله. اخرج لرياضة المشي كل صباح. اعتاد على مروري أصحاب محلات البقالة والصيدلية. صالونات الحلاقة. مطاعم شعبية ومقاهي الصيادين. يلقون السلام: مرحبا. كيف الحال. فأرد برفع يدي أو بكلمات سريعة. أما الغرباء. فيقولون بابتسامة طيبة: بونجور. طاقة هادئة تنبعث من السماء والبحر وتصب في قلبي. زرقة متفاوتة هائلة تحيط بي. فتفيض روحي عن طمأنينة واسترخاء لذيذ. بينما يعمل عقلي كمفرقعات ليلة رأس السنة. لا يتوقف عن ضخ الأفكار. التنظيم. والتشذيب. ما يلخصه العلم ببساطة: خروج سموم ثاني أكسيد الكربون ودخول الأوكسجين النقي.أحب المشي من دون موسيقى. فلا أضع سماعات حتى أسمع نفسي وأفكاري أو انصت للطبيعة من حولي. العشب. الشجر. فراشة بيضاء كبيرة رافقتني طوال المشوار بالأمس. وشعرت كأنها تسرد علي أخبار يومها وبعض أحلام تناسب عمرها القصير. أتأمل البيوت. شقوق الجدران. تهمني الأبواب كثيرا. لونها. خشبها. أقفالها. لكل باب شخصية وحكاية. ثم النوافذ. المغلقة بإحكام على أسرارها. أو المواربة بحياء وكيف تبوح بأصوات حديث أو موسيقى ناعمة يتراءى لي أنها تسيل على الجدار للشجر في الحديقة. ثم النافذة المفتوحة التي تقول «مرحبا كيف حالك. انظر لكل هذا الجمال فيك». ولعب الستائر بألوانها وخفة أرواحها. وردي. ابيض دنتيل. مخمل كحلي ثقيل. وكل عطر يد أمسكت بها. ترهقني كل التفاصيل. أحتاج توسعة روحي. أطفال المدارس، لعبهم. ضحكهم. وهناك دائما المشاغب الذي يلتف حوله الجميع. وغريب الأطوار الذي يمشي وحيدا في الخلف. غالبا سيكون فنانا مذهلا أو شاعرا مجنونا يبتكر لغة خاصة به. الصغار يلعبون بالشارع. كرة. دراجة. الشارع معرض تشكيلي مفتوح. للشارع اذان وللابواب عيون. قطط بوجوه جميلة وصيحات صرت خبيرة فيها، أما تنادي من جوع أو خوف وبرد.احاول ألّايفوتني شيء. أي تفصيل مهما كان بسيطا. امرأة تنشر الغسيل. زهرة حمراء وحيدة في سياج سور متشابك. كتابة عاشق مجهول على جدار شبه متهدم. حفظ الحجر كلامه و داوى جرحه. غطاء سرير ابيض يلاعب الهواء ويكاد من فرط شغفه ان يفلت من الملاقط على حبل الغسيل ويطير حرا جديدا.الغيوم تتغير وهي ترافقني. الطيور بأشكال وألوان مختلفة مدهشة. تغريدها العذب يبعد الوحشة عن قلبي حين يعاندني جسدي لكن روحي تروضه وتدفعه للامام. لابد من إكمال الساعة. أنصت لكل مايتحرك حولي. صوت رمل وحجر تحت قدمي. أحاول جهدي أن لا ادوس على صغار الحشرات العابرة على عجالة. خطوط دؤوبة من نمل مثابر يحمل طعاما أو حبة رمل لاستكمال مدينة خرافية حلمت بها صغيرة. وبعض النمل الأكبر يتحرك أيضا بمجموعات. عالم كامل من كائنات تمنيت لو أنني أحادثها وتحادثني. انتظر بفارغ الصبر حتى أصل للمنعطف. ويظهر لي البحر. كاملا مشعا لامعا عاريا. وكأنه كان ينتظرني طوال العمر. تنتعش روحي. يستيقظ إحساس في جوهر ذاتي. طال سباته حتى كاد يصير حجرا اصم. يعانقني شعور التحقق وكأنني هنا الآن حقيقة. اتحقق بعد ان كنت هباء أو نثارا أو مجرد فكرة. عالم متكامل لاينقصه مشهد أو إثارة أو جمال. صيادون ينتظرون حصيلة اليوم. طفل يحاول الإمساك بموجة. نسوة يجتمعن في دائرة على الرمل في أحاديث الصباح الشهية. فتاة ترسم على الرمل. الغيم يخبرني إنني بخير. فأصدق فعلا. يغمرني فرح لذيذ وشعور ببراءة فتية خلت انني فقدتها وأنها غادرتني للأبد.قبل مصافحة البحر على وعد بلقائه غدا. التفت لنافذتها الزرقاء الطويلة. مغلقة. مر يومان منذ كانت مفتوحة وشاهدت حورية بثوب ناعم تسرح شعرها الأحمر الطويل. سارحة حتى لتظن أن كل ماحولها زجاج.الان وقد أبطأت سيري وانتظمت دقات قلبي. تبقى لي آخر عشر دقائق اقضيها مع شجيراتي الثلاث. الأجمل والمفضلة هي الضخمة في الوسط. جذع عريض بتفرعات متشابكة واعتزاز مقدس. واغصان متينة تحمل بيوت عصافير آوت واطمأنت إليها منذ زمن. أسير حولهم في دوائر وانصت لحفيف الورق واهتزاز الأغصان وكأن رجرجة الجسد في روحي. أسند رأسي للجذع واطيل. يداي على اللحاء المتعرج. وكأنني أقرأ أعمق وأبلغ قصيدة في التاريخ. أجلس على العشب في الحقل المجاور أحكي قصة اليوم للشجيرات الثلاث. اتخيل كيف ومن زرعها. من سقاها، اجبها و دافع عنها. ثم مر شيخ طاعن بالسن. تمهل. التفت إلي وقال بصوت ضعيف. أنا ولدت مع هذه الشجرات. كانت صغيرة وكنا نلعب حولها. فقلت: «انت ياعم الشجرة الرابعة». فابتسم وأكمل سيره. * نابل/ تونس 18 مايو 2018
مقالات
بوح صريح
الشجرة الرابعة
05:23 م