الإمام البخاري، ترك خلفه سفراً خالداً عظيماً عكف على جمعه أكثر من 16 عاماً، ولم يحضر أحد جنازته سوى تلميذه الإمام مسلم، بسبب ما سببه له علماء زمانه من حسد وغيرة.بابلو بيكاسو ترك خلفه الكثير من خليلاته، وولداً من زوجة معلقة كي لا ترث شيئاً بعد موته، ومايا من عشيقة محرمة، وكلود وبالوما من زوجة مطلقة... وكل هؤلاء الأبناء لم يحضروا جنازته، وترك أيضاً زوجة منتحرة بعد فراقه.ولكن أعظم ما ترك كانت جدراية «غيرنيكا» التي تعرض مأساة الحرب ومعاناة الأفراد خلالها... إنها بحق رمز السلام.أحد المتأثرين بحملات «التنوير» التي يخوضها حالياً أمثال إسلام البحيري... قرر فجأة ومن دون مقدمات أن يفجر تصريحاً خطيراً قائلاً: «بيكاسو وأعماله أكثر نفعاً للبشرية من البخاري وكتابه»... قال هذه العبارة وكأنه اخترعها للتو واللحظة.قلت في نفسي إن هذا الرجل، إما أنه لا يعرف البخاري أو لا يعرف بيكاسو أو لا يعرف ما هو معنى «أكثر نفعا للبشرية»!ورغم عدم اقتناعي بهذه المقارنات السطحية التي تخلط فناناً كبيكاسو بمحدث وأستاذ أسانيد مثل البخاري، إلا أنني سأضع لك عزيزي القارئ ثلاث ملاحظات على طاولة المقارنة.أولاً: لا يوجد شيء اسمه «أكثر نفعاً للبشرية»، ولكن يوجد شيء اسمه أكثر نفعاً للسياق والمحيط، فالذي اكتشف النار أكثر نفعاً لقرى أفريقيا من الذي اكتشف المصباح، والذي اخترع حفاضات الأطفال أكثر نفعاً للأم من مؤلف كتاب «نقد العقل الخالص»... والذي اخترع الرصاص المطاطي وقنابل الغاز المسيل للدموع أكثر نفعاً للمؤسسة الأمنية وأكثر ضرراً على الثائر!ثانياً: وضع صورة لرائدة فضاء من أحدهم في وسائل التواصل ومقارنتها بصورة «منقبة» ثم طرح سؤال أيهما أكثر نفعاً للبشرية... مقارنة غبية تشبه قولي له «إن والدك لم يقدم ما قدمه السير نيقولاس بيكون حامل أختام الملكة في إنكلترا، ولا أمك حفيدة الملك ادوارد السادس بالتعميد!».ثالثاً: رغم أن أعظم أعمال بيكاسو «غيرنيكا» المعلقة خارج مدخل مجلس الأمن الدولي قد قرر المسؤولون هناك تغطيتها في اليوم الذي خاطب فيه كولن باول الأمم المتحدة عارضاً حجج غزو العراق! إلا أن ما تركه الإمام البخاري باقٍ معنا ومفتوح في انتصاراتنا وهزائمنا، ولا تغطيه حتى النظارات الشمسية.ويذكر المؤرخ عبدالرحمن الجبرتي، وكذلك المفكر عباس العقاد، أن حكام مصر كانوا يطلبون من العلماء الاجتماع وقراءة البخاري وتلمس الدعوات، فإذا وقعت الهزيمة كانوا يقولون «إما أنكم لم تقرأوا البخاري وإما أنكم لستم بعلماء».ليس في هذا المقال إساءة إلى السيد بيكاسو والفن التكعيبي ولا تمجيد للإمام البخاري وعلم الأثر... فقط توقفوا عن المبالغات، والتفتوا لأنفسكم ودعوا البشرية في شأنها.كاتب كويتيmoh1alatwan@