بعد نهاية حوار شيق مع أحد الأصدقاء حول هموم الحياة ومتاعبها وأهوالها، قرر صديقنا أن يبعث لي رابطاً لمقال بقلم الدكتور خالد صالح المنيف، المتخصص في علم النفس الإداري والكتاب في جريدة «الجزيرة» السعودية، بعنوان «المرحلة الملكية!»، وادعى معها صديقنا أنه يعيش هذه المرحلة!وصف الدكتور خالد من يعيش هذه المرحلة بأنه إنسان يمتلك حياته وتتسع فيه مداركه ولن يتورط فيها بجدالات تافهة وأن كل الأمور توافه ما عدا طاعة الله، وأنه لن تحترق فيها أعصاب الشخص على كلمات نابية مثلاً، كما أن الإنسان في هذه المرحلة سيصدر أحاكماً منصفة وعادلة ولن يهمه تتبع أخبار الناس.ويضيف الدكتور: في هذه المرحلة لن تهدر وقتك في البحث عن الأحسن والأروع وستكتفي حينها بالحسن والمقبول، ولن تكون الشمعة المحترقة بل ستهتم بنفسك وتدللها، كما أنك ستدرك أن السعادة والنجاح يعتمدان على تهذيب النفس وتقويمها وأن الحياة كريمة أكثر مما تتصور، والقائمة هنا تطول، ولا عليك سوى عزيزي القارئ البحث عن رابط المقال عن طريق الإنترنت للتعرف على مواصفات هذه المرحلة!ويدعو الدكتور في نهاية المقال إلى اختصار الوقت والاستفادة من تجارب الحياة للعيش في هذه المرحلة الملكية «الفخمة»، كما يدعي، ونحن في ريعان الشباب... ويا ليتنا يا دكتور نستطيع ذلك!واقع الحال يقول يا دكتور ويا صديقنا العزيز أيضاً، إن الإنسان يعيش مرحلة واحدة طوال عمره وهي مرحلة تتميز بالشقاء والبحث عن الأفضل ومواجهة مصاعب الحياة وعثراتها وتخطي كبواتها وهفواتها وغيرها من الصفات التي يعلمها الجميع، وإن كانت تختلف حدتها ودرجتها باختلاف الوقت والمرحلة السنية إلا أنها جميعاً تتشابه في النهاية بسلبيتها!ما زلت شخصياً أتذكر وأنا في عامي الأخير في مرحلة الثانوية العامة، وأنا أقول لوالدتي أنني سأدخل الجامعة وسأسافر لوحدي وسأشتري أفضل سيارة وسأعود في أي وقت إلى المنزل، فقد كان ذلك حدود تفكيري، وكان انطباعي أن حياتي المتحررة ستبدأ مع أول يوم في المرحلة الجامعية.وما زلت أتذكر أنني في السنة الأخيرة من المرحلة الجامعية في كلية الهندسة، كنت دائما ما أحاول أن أشحذ همتي للتركيز على الدراسة، موهماً نفسي بأن نهاية هذه المرحلة هي بداية الشعور بالراحة الأبدية والتخلص من عناء الدراسة وحضور المحاضرات وإجراء الاختبارات وحصد ثمرة الجهد والتعب والكفاح الدراسي.انتقلت بعدها إلى مرحلة العمل، فقد كانت بداية جميلة و«وردية» ككل وافد جديد على سوق العمل. وكما الحال لدى الجميع، فإننا نصدم إما بطريق الواسطة والمحسوبية وبيئة العمل الصادمة في القطاع العام أو بطريق القطاع الخاص الذي يتميز فيه الموظف بمدخول جيد إلا أنه محفوف جداً بالمخاطر، فكلا الطريقين مر!وكما هو الحال لدى الغالبية، فإن المرحلة التالية هي مرحلة الزواج، متمنياً أن ذلك قد يزيح بعض ما نعانيه من قساوة الحياة وعنادها، متبوعاً بزينة الأولاد، لتكتشف بعدها بلا سابق إنذار أنك أصبحت مسؤولا عن أسرة وأولاد لن تستطيع أن تزيح عنك همومهم حتى بعد زواجهم، حاسداً معها حال الأعزب وإن كان هو أيضاً حاسداً لك على نعمة الزواج!أستذكرت هنا وأنا أكتب المقال أبيات الشعر المميزة للأديب والشاعر والسياسي أيضاً عباس محمود العقاد واصفاً حالنا باختصار:صغيرٌ يطلب الكِبرا... وشيخٌ ودّ لو صَغُراوخالٍ يشتهي عملا... وذو عملٍ به ضَجراوربُّ المالِ في تعبٍ... وفي تعبٍ من افتقراوذو الأولادِ مهموم... وطالبهم قد انفطراومَن فقد الجمال شكا... وقد يشكو الذي بَهراويشقى المرء منهزما... ولا يرتاحُ منتصراويبغي المجدَ في لهفٍ... فإن يظفر بهِ فتراوستستمر الحياة على هذا المنوال لتنتقل بها من مرحلة إلى مرحلة ومن حال إلى حال لتتذكر معها في كل مرحلة جديدة ما عانيته من آلام وأخطاء وعثرات في المرحلة السابقة، وستتردد حينها معك كلمة «لو» و«يا ليت» و«سأبدأ صفحة جديدة في حياتي»، إلا أن النعيم بالمرحلة الملكية التي وصفها لنا الدكتور المميز خالد المنيف، ويدعيها صاحبنا أقرب إلى الخيال والله المستعان! Email: boadeeb@yahoo.com
مقالات
اجتهادات
وهم «المرحلة الملكية»!
11:50 م