في إدارات حكومية محكوم عليها بالنوم مع الأحلام الشاقة المؤبدة، عليك أن تتوقع أنك ستشاهد خصائص وظواهر توحي لك أحياناً أنك تعيش في مجتمع متقدم ومتطور يناسب أفلام الفضاء، وظواهر أخرى تؤكد لك أنك تعيش في دولة من العالم الثالث ما قبل الميلاد، وهذا ما يسميه الخبير بالنظم الإدارية العامة فرد رجز بـ «التداخل بين نظام وهياكل متقدمة مع أخرى غير متقدمة».وفي كتابه الرائع ودراسته الرزينة «مراحل تطور البيروقراطية في الكويت»، يوضح لنا د. فؤاد عبدالله العمر أربع مراحل تمر بها الإدارة في الدول ذات الثروة المفاجئة، وهي استيراد البيروقراطية ثم البيروقراطية الوطنية ثم التضخم الإداري، فالإصلاح الإداري. ويذكر المؤلف بعض الظواهر التي تتفق مع نظرية فرد رجز حيث مخرجات النظم الإدارية العامة في الكويت تقل كثيراً عن توقعات الجمهور منها رغم الميزانية الضخمة المرصودة لها، مع مبالغة في الالتزام بتطبيق القوانين أحياناً وقلة الالتزام بها أحياناً أخرى، وبروز أسلوب التعيين الشخصي كنظام إداري يراعي ظاهرة الاعتبارات العائلية والقبلية.ومن الناس من لا يستفيد من تطبيق القانون ولا من تجاوزه، ولذلك فهم لا يعيشون بين تداخل نظام وهياكل متقدمة مع أخرى متخلفة، ولكنهم يعيشون في تداخل آخر لا يريدون فيه سوى الحد الأدنى من مهارات العدالة في تخليص معاملاتهم الإدارية من دون «دوخة رأس» وعوار قلب... لدرجة أنني، وحسب آخر توصيف لصديقي الذي يجلس معي في المقهى رغماً عني، أصبحت أعاني من «فوبيا السستم العطلان»، وهي متلازمة تصيبني ما أن يشاء العليم الخبير أن تكون لي مراجعة حكومية ما.إن دخولك لمبنى وزاري أو حكومي مجهز بأحدث الأجهزة الإلكترونية وملحقاتها مع أثاث مكتبي رائع، وفن معماري يوحي بأهمية المؤسسة، وموظفين يرتدون أجمل الثياب وأفقع الألوان وتواجد على ظهر المكاتب احتراماً للبصمة، لهو دليل على أن النظام الإداري متقدم ظاهرياً، ولكن «السستم العطلان» كعبارة تقال في وجه أثقل شنب وأطول عباية وأكبر عملية نفخ في الشفايف وأغلى ساعة في اليد اليسرى لمراجع من المراجعين، غالباً ما تفسد كل هذا بالنسبة إلى الجمهور الذي اكتشف أن المستفيد الوحيد من نظام إداري مثل هذا هم فقط الذين أخذوا مناقصة المبنى والتأثيث ودور الماكياج العالمية التي تكفلت بتغطية الحقيقة.وفي الوقت الذي أصبحت فيه قادراً على فتح ترخيص تجاري في جهاز حكومي عبر موقع إلكتروني، تجد نفسك تدور بأوراق حكومية في جهاز آخر، متنقلاً بين الإدارات والأقسام والموظفين من أجل تجديد مسمى وظيفي أو طلب علاوة أو أي تجربة شخصية لك في «سستم» حكومي يناسب العصر القوطي ومخلفاته الإدارية.وفي زمن أصبحت فيه مهارات أرشفة المعلومات بالتكنولوجيا أكثر استخداماً من «الحلف»، لا نزال نسمع بظاهرة ضياع الملفات وبعض المستندات المهمة، وكل هذا على مرأى ومسمع ولمسات من مدراء إدارات يحتاجون دورات في برامج كمبيوتر «صخر»!هذه ثلاث مضحكات مبكيات متمثلة في عطل النظام وثقل النظام وتأخر النظام، تزاحمها ظواهر إدارية أخرى متقدمة... جعلت متلازمة «هاجس السستم العطلان» تؤرِق مضجعي أمام حكومة تأخرت كثيراً في إنتاج سياسات عمرانية حضرية، فضلاً عن إنتاج مدن إبداعية تنقل الخدمات إلى عصر الشبكة.كان هذا المقال ثرثرة صحافية لتجارب شخصية من النبع إلى المصب، ولذلك فأنا لا أتوجه باللوم لأحد، بقدر ما أبحث عن «كوتش نفسي» لكي يخلصني من المتلازمة.تنويه:شكر خالص من القلب للموظفة التي بادرت بنبل أخلاقيات المهنة في أخذ أوراقي مع وعد وظيفي بتخليصها بمجرد «رجوع السستم»، وذلك عندما لاحظت على وجهي خريطة من حالة الفزع الأكبر وملامح الفراغ الوجودي من وجودي أمامها عندما قالت لي «السستم عطلان»!كاتب كويتي moh1alatwan@
أخيرة
خواطر صعلوك
محتاج «كوتش نفسي»!
08:50 م