في العام 2008، كان أنجل توريس عائداً إلى منزله بعد شراء اللبن من أحد متاجر البقالة في ولاية كونيتيكت الأميركية...صدمته سيارة... وكان للتو قد أنهى عامه الـ 78.وفي ولاية هي الرابعة لناحية الكثافة السكانية بين الولايات الأميركية الخمسين، والتي تعرف باسم «ولاية الدستور» و«أرض العادات الثابتة» وفي شارع شديد الزحام، ظل توريس ملقى على الأرض يرقد بلا حراك، بينما الشارع كله يتحرك من حوله.عدد كبير من المارة لم يفعلوا شيئاً...تسع سيارات انحرفت بعيداً عنه، قائدوها غير مهتمين حتى بمجرد التوقف والنظر. إحدى السيارات اقتربت منه ونظر السائق بفضول، ولكنه لم يفعل شيئاً... ثم أكمل طريقه.دار حوله رجل بدراجة نارية... ثم رحل.لم يساعده أحد... سوى ملائكة السماء.أما علماء النفس وعلماء الاجتماع، فقد علقوا على هذه الحادثة قائلين عبر وسائل الإعلام والكتب والمقالات الصحافية: «كلما زاد عدد الأشخاص الحاضرين في حالة طارئة، قل احتمال تدخل أحدهم للمساعدة».إن المشكلة هنا لا علاقة لها بأميركا، بل لها علاقة بمفهوم الرأي العام الذي يفعل بالشخص ما يريد، بحيث يغير طباعه الإنسانية والشخصية، ناقلاً إلى الفرد الواحد مجموع صفات وعيوب الآخر.إن عدم تدخل الجميع للمساعدة هو قرار رأي عام في مساحة جغرافية كان محورها رجل صدمته سيارة.منذ يومين، وعلى مرأى ومسمع من شارع بأكمله، قام شاب بالنزول من سيارته والتشاجر مع سائق مطعم، وفي وسط الشارع كانت السيارات تنحرف ذات اليمين وذات اليسار، أما المارة فقد اتخذوا وضعية «الصامت المراقب» للحدث من دون مبادرة ولو بالحنجرة الصوتية من بعيد... تسمّر عام في مساحة جغرافية قرر فيها أكثر من 500 شخص تقريباً وهم لا يغلبون من قلة عدم التدخل حتى تعب الطرفان من تسديد اللكمات لبعضهما البعض.لقد كان مشهداً صادماً بالنسبة إليّ، فزاوية الرؤية البعيدة سمحت لي أن أشفق على الإثنين، كما سمحت لي أن أشاهد ما يفعله «الرأي العام» من نقل الصفات الدونية من الفرد للمجموع، بمن فيهم كاتب هذا المقال الذي تسمر معهم لدقيقتين... وكما تعلم عزيزي القارئ، فإن دقيقتين في شجار حامي الوطيس تساوي في الطاقة عمل سنتين لموظف تم تعيينه بالسلالة!ومنذ الزمن الذي كانت أميركا اللاتينية هي رجل له شارب ويحمل غيتاراً ومسدساً، وحتى الزمن الذي ظهر فيه «سوبرمان» وهو يرتدي غترة وعقالاً... قررت التدخل فوراً قافزاً على «الرأي العام»... ولكن بعد فوات الأوان!فما إن وصلت للمتشاجرين وطلبت منهما فض النزاع، وطلب الهداية من الله لهما، حتى اكتشفت أن المعركة قد حسمت وسجلت في وقائع الأيام وخطوبها وحوادث الحادثات وكروبها وقد أصاب كلا الطرفين ما أصابهما، وأن الوصول متأخراً ليس دائماً فيه السلامة.وبينما كنت أواسي «الحلقة الأضعف» في المعركة، كان ينظر للأفق وهو يبتسم، ومصدر ابتسامته هذه شيء لا أستطيع إدراكه وفهمه إلا إذا كان هناك حوار داخلي يصرخ فيه قائلاً «حسبنا الله ونعم الوكيل»!ربما كان كل هذا لا يستوجب الكتابة عند البعض، وربما كان فيه إدانة لنفسي قبل غيري، ولكن صدقني لو كنت تقف مكاني ويقف خلفك الرجل نفسه الذي كان يقف ورائي وهو يردد أثناء تبادل اللكمات «أوف أوووف أوف أوووه» لتبادلت أنت معه اللكمات شخصياً... ولكنني فضلت الكتابة حتى لا أنفجر غيظاً كلما تذكرت!لذلك، اسمح لي عزيزي القارئ أن أخرجك من هذا الجو الدرامي وأقول لك لغزاً سخيفاً...حيوان يمشي بسرعة 60 كلم في الساعة، فكم عصفورا في الشجرة إذا كان الشارع بطول 500 حمار؟ إذا كان اللغز سخيفاً، فيفترض أن يثير الغضب أكثر مما يثير الضحك... أليس كذلك يا أصحاب العادات الثابتة؟!كاتب كويتي moh1alatwan@
مقالات
خواطر صعلوك
إلى الرجل الذي كان خلفي!
10:29 م