لا يحتاج الأمر إلى أكثر من زيارة واحدة لأي مكتبة كبيرة لتلاحظ مدى انتشار ما يمكن أن نسميه «الأدب الصوفي» المترجم والمؤلف بين الروايات والشعر الحديث والألبومات الغنائية...صحيح أن شعر التفعيلة كان منذ بدايته يستلهم «صوفية المفردات» ومظلومية الشخصيات، إلا أنه في الشعر الحديث استفحل حتى طغى، وصحيح أن الكتب الصوفية طوال عمرها تباع هنا أو هناك، لكنها أصبحت الآن في الأرفف البارزة.لا شك أن الحركة الصوفية قديمة في الأدب، والصوفيون دون غيرهم أمسكوا بناصية الكلمة ووسعوا مساحاتها حتى ضاقت عليهم العبارة والأفهام، ولكنها تحوّلت إلى ظاهرة في هذا الوقت وتفجرت وسادت ككلمات وجمل من دون تجارب ورحلة وتطبيق، فمع رواية «قواعد العشق الأربعين» التي أفرخت حسابات متخصصة في مواقع التواصل الاجتماعي لإظهار الأدب الصوفي، ووجود مواقع إلكترونية توصي بروايات ينصح بقراءتها بعد قواعد العشق مثل الرواية الإيرانية «الرومي:نار العشق»، والرواية الفرنسية «بنت مولانا»، والرواية المصرية «ترنيمة سلام» وجزئها الثاني «عشق»، والرواية السودانية «شوق الدراويش» التي وصلت للقائمة القصيرة للبوكر وحصلت على جائزة نجيب محفوظ للرواية، حتى وصلنا للذروة مع فوز الرواية السعودية «موت صغير» لمحمد حسن علوان بجائزة البوكر والتي محورها الشيخ الأكبر عند جماعة السادة الصوفية،ناهيك عن رواية هنا وديوان شعري هناك، وكل ذلك في وقت قصير يجعلنا فعلا نسمي ما يحدث ظاهرة تدعو للحيرة!وما أحاول أن أفعله هنا وأنا أشير إلى جنسية الرواية ليس حصرها، بل محاولة ربط الامتداد الجغرافي والثقافي بالاهتمام الصوفي في الأدب ليس في شكل صوفية المفردات بل في شكل صوفية المواضيع أيضاً.وفي الفترة الأخيرة لاحظت أن الكثير من أصدقائي يريدون أن يكتبوا في مجال الخطاب الصوفي، متناسين أن الخطاب الصوفي أكبر من مجرد كلمات تحشر في نصوص لكي تجعل من النص صوفيا حقا.إننا أمام ظاهرة في الكتابة تدعي أنها صوفية وتقسم على ذلك، وتتسم بالانحياز للعودة إلى الذات، والبحث عن المعنى، واكتشاف خطاب بديل يساند فكرة أن الخلاص فردي وليس جماعياً في عالم أصبحت فيه الثورة بلا قيادات، والجماعات بلا إيديولوجية، والعالم كله بلا حدود، والبحث عن اللغة التي تساعد على التعايش مع واقع يدعوك إلى العيش كمفردة وحيدة انطوى فيها العالم الأكبر.عالم يدعوك للانسحاق للداخل، فتسميه الفناء في كتاباتك، بينما في واقعك هو الاكتئاب أو الانسحاب غير الوقور من واقع يدعوك للعمل لتخرج بتجربة تكتبها وتكتبك! اللهم زدني فيك تحيراً، وزدني بفرط الحب فيك تحيراً... وأعرف الناس بالله أشدهم تحيراً فيه... كلها عبارات ستسمعها من أناس يصيبونك بالحيرة عندما يحدثونك عن الحيرة التي يقصدونها.ويشير إلى هذا أيضا الصوفية أنفسهم عندما نقل لنا الشعراني عن الخواص قوله «إياك أن تعتقد يا أخي إذا طالعت كتب القوم، وعرفت مصطلحهم في ألفاظهم أنك صرت صوفيا، إنما التصوف التخلق بأخلاقهم، ومعرفة طرق استنباطهم لجميع الآداب والأخلاق التي تحلوا بها من الكتاب والسنة».وبعيدا عن اتفاقك أو اختلافك حول مدى قرب أو بعد الصوفية من الكتاب والسنة، إلا أن أكثر ما أخشاه دائما هو عملية الاستهلاك، حتى أنني قد تفاجأت بسؤال أحدهم قائلا:«اشلون أصير صوفي عميق»؟! يشير الدكتور أحمد خالد توفيق في كتابه «اللغز وراء السطور» إلى ظاهرة التصوف السطحي الاصطناعي الذي جعل كل شاب يعيش جو الرومي والتبريزي، وربما يحشر أغاني صوفية لا علاقة لها بالأحداث في أي عمل مسرحي أو روائي يعكف عليه، ورغم أنه كان يشير إلى مناطق المتوسط، إلا أنني شعرت أن الكاتب يخشى أن تستفحل الظاهرة أيضا في مكتبات المناطق الحارة.يبدو عزيزي القارئ أن الأدب العربي الذي لم يتعامل مع ظاهرة التطرف بجدية هو ذاته الذي لن يتعامل مع خطاب التصوف بجدية.كاتب كويتيmoh1alatwan@
مقالات
خواطر صعلوك
اشلون أصير «صوفي عميق»؟
12:13 ص